أبي طالب « 1 » .
وهكذا يعدّ الزعم بأن الحلّاج لم يقتل أمرا مألوفا في مثل هذه الظروف العاطفية ، ومن هنا ذكر أن القتل وقع على « دابة » « 2 » مرة و « بغلة » « 3 » مرة أخرى ، وتواضع قوم فذكروا أنه وقع على رجل ألقي عليه شبهه « 4 » .
وبعد هذا جرؤ قوم على الزعم بأنهم سمعوا الحلّاج يقول لأصحابه : « لا يهوّلنّكم هذا فإنّي عائد إليكم بعد ثلاثين يوما » « 5 » . وتمشّيا مع هذه القصة ذكر ابن الأثير أن « بعضهم » قال : « لقيته على حمار بطريق النهروان ( ماضيا من العراق إلى إيران قاصدا خراسان طبعا ! ) وأنه قال لهم : « لا تكونوا مثل هذا البقر ( الصحيح : النفر ) الذين يظنون أنني ضربت وقتلت » « 6 » .
ومن الطبيعي أن تتداعى هذه الصور إلى الرجعة والمهدية ؛ وهذا شيخ المعرّة ( ت 449 ه / 1057 م ) يخبرنا أن « الصوفية ، اليوم ، من يرفع شأنه ويجعل مع النجم مكانه . وبلغني أن ببغداد قوما ينتظرون خروجه وأنهم يقفون بحيث صلب على دجلة ، يتوقعون ظهوره . . . » « 7 » . وهكذا ارتفعت اللعنة والسخرية والنقمة وحلّت الرحمة والإعجاب والحب والتقدير . ذلك أن من يبذل دمه ثمنا لما يدين به لن يعقد صفقة خاسرة ، فالقتل جدّ ليس بعده جدّ ، وهو عند الناس برهان ساطع على الصدق والإخلاص ومجلبة للعطف والاحترام والاهتمام . ولولا تضحية المسيح ما انتشرت المسيحية هذا الانتشار ، ولولا قتل ميرزا محمد الباب ما قامت للبهائية قائمة في العصر الحديث ، عصر العلم والعقل والبرهان .
هامش
( 1 ) الحلّاج شهيد التصوف الإسلامي ، لطه عبد الباقي سرور ، مصر 1961 م ، ص 254 عن البافعي .
( 2 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 3 ) رسالة الغفران ، ط 4 ، ص 453 .
( 4 ) الفرق بين الفرق للبغدادي ، ص 159 ، وفي تجارب الأمم أن أصحاب الحلّاج ادعوا أن المضروب « كان عدوا للحلّاج ألقي شبهه عليه » ( 5 / 79 ) .
( 5 ) تاريخ بغداد 6 / 164 . وهذا يذكر بصعود موسى الجبل لميقات ربه ( البقرة 2 : 51 ) .
( 6 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 7 ) رسالة الغفران ، ط 4 ، ص 454 .