مخلوقة ، يسمو بها فوق كل ما هو إنسانىّ وكونىّ ؛ ويكتشف فيها أيضا « الناموس الأزلي » الذي يضئ له جوانب الحياة جميعا . وكذلك يتسنى للمرء أن يعيش حياة الأبد وهو لا يزال على صعيد هذه الأرض : أرض الآلام والدموع وعرق الجبين !
ومع ذلك ، لئن فشلت نظرية الاعتزال في التوحيد في دائرة الإلهيات ، فقد كتب لها النجاح تماما في دائرة الاجتماعيات والأخلاقيات . إن مقالتهم في « العدل » - وهي متفرعة عن « التوحيد » - كانت أساسا لرأيهم الجرىء المشهور ، المتعلق بحرية الإنسان وتبعاته الدينية أمام الديان الأعظم ، والأدبية بخصوص مصيره النهائي . ( ومن الطرافة أن يلاحظ في هذا الموطن ، أن المعتزلة ، بقدر ما كانوا « ماهيين » :
Essentialistes
من أتباع نظرية الماهية المجردة للذات الإلهية - في ميدان العلوم اللاهوتية ، كانوا وجوديين - بأدق معاني الكلمة - في الميادين الاجتماعية والأخلاقية ) .
فحرية الإنسان عند المعتزلة ، وبالتالي مسئولياته الدينية والأدبية ، منبعثة عن مبدأ العدالة الإلهية ذاتها . إن تصورنا للعدل الإلهى ، بمعناه الصحيح الشامل ، هو الذي يحتم علينا القول بوجوب حرية الإنسان واختباره .
وهكذا كان مفهوم العدل الإلهى في السماء ، عند المعتزلة ، أصلا لمفهوم حرية الإنسان ، وينبوعا لاختياره على الأرض ! وهذا التصور الخاص لمفهوم العدالة والحرية يسبغ حقا على نظرية الاعتزال كل مظاهر السمو والكمال ، من الناحيتين الاجتماعية والأخلاقية معا . إن حرية الإنسان في هذا المقام ، لم تبن على معان أخلاقية واجتماعية فحسب ، بل على تصور عميق لمفهوم العدالة الإلهية نفسها ، وبالتالي على الروابط الخاصة المتحققة بين الذات الإلهية والشخصية الإنسانية . والعدل في نظر المعتزلة هو مظهر « وحدة الذات » ، أي المظهر الإيجابى لوجود اللّه في الحقيقة ولكماله السرمدي . كذلك الاختيار الإدارى للإنسان : إنه مظهر وحدة شخصيته ورمز تكامل وجوده واستقلاله .
ومهما يكن ما لمبدأ التوحيد من أهمية وخطورة في ميدان الفكر الاعتزالى