عالمون بالوجود ، وهو العلم الذي طلب منا . ولما كان تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شئ منها ، كان الواجب علينا أولا - كما قيل لنا فاعلم أنه لا إله إلا اللّه - أن نعلم ما العلم ؟ قال صلوات اللّه عليه « إن اللّه احتجب عن الأبصار ، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم . . . » إن المؤمن المتأدب بآداب ربه ، المحافظ على شريعته ، إذا لزم الخلوة والذكر ، وفرغ فكره مما سواه ، وقعد فقيرا لا شئ له عند باب ربه ، حينئذ يمنحه اللّه تعالى ويعطيه من العلوم والأسرار الإلهية ، والمعارف الربانية التي منّ بها اللّه سبحانه على عبده الحضر فقال تعالى :
« عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما » « وقال تعالى :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ »
وقال :
« إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً »
« وقال سبحانه
« يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ »
والنور هو العلم ، والفرقان أعلى فيوضات الإلهام . . . إن اللّه هو المعلم الحقيقي ، والمؤدب الحقيقي للوجود كله « خلق الإنسان علمه البيان » و « يؤتى الحكمة من يشاء ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا » وقد علم الخضر ومن يسلك نهجه ويقرب قربه من لدنه علما ، وأدب من اصطفى واختار فأحسن تأديبه » . . .
« فحينئذ يحصل لصاحب الهمة - في الخلوة مع ربه جلت هيبته وعظمت منته - من العلوم ما يغيب عندها كل متكلم على البسيطة ، لأنها من وراء أحكام العقل ، وليست في متناولة ولا طاقته ، لأنها منة الوهاب العليم . . .
وجميع ما كتبته وأكتبه في هذا الباب ، إنما هو من إملاء إلهي ، وإلقاء رباني ، ونفث روحاني ، في روح كيانى . كل ذلك بحكم الإرث للأنبياء والتبعية لهم « 1 » » .
هامش
( 1 ) انظر الباب 373 من الفتوحات المكية