معارفه الفلسفية :
يقيم محيي الدين أنصع الأدلّة على أن معارفه الفلسفية لم تكن مقصورة على منتجات مشاهير الفلاسفة الإغريق كأفلاطون وأرسطو ، كما كان شأن أفذاذ المفكرين من المسلمين في ذلك العهد ، وإنما قد ذهب في الاطلاع إلى ما هو أبعد من ذلك ، فأحاط بآراء الفلاسفة الطبيعيين من الإيونيين والإيليائيين ، وعرف الفروق الدقيقة بين مذاهبهم ثم أجملها في عبارات موجزة واضحة فقال :
« كذلك الأركان من عالم الطبيعة أربعة ، وباتصال العالم العلوي بهذه الأربعة يوجد اللّه ما يتولد فيها . واختلفوا في ذلك على ستة مذاهب :
فطائفة زعمت أن كل واحد من هذه الأربعة أصل في نفسه .
وقالت طائفة : ركن النار هو الأصل ، فما كثف منه كان هواء ، وما كثف من الهواء كان ماء ، وما كثف من الماء كان ترابا .
وقالت طائفة : ركن الهواء هو الأصل ، فما سخن منه كان نارا ، وما كثف منه صار ماء .
وقالت طائفة : ركن التراب هو الأصل .
وقالت طائفة : الأصل ركن خامس ، وليس واحدا من هذه الأربعة .
وهذا المذهب القائل بالأصل الخامس هو الصحيح عندنا ، وهو المسمى بالطبيعة ، فإن الطبيعة معقول واحد ، عنها ظهر ركن النار وجميع الأركان فيقال : ركن النار من الطبيعة ما هو عينها ، ولا يصح أن يكون المجموع الذي هو عين الأربعة ، فإن بعض الأركان منافر للآخر بالكلية ، وبعضها منافر لغيره بأمر واحد كالنار والماء يتنافران من جميع الوجوه . والهواء والتراب كذلك . ولهذا رتبها اللّه في الوجود ترتيبا حكيما ، لأجل الاستحالات .
فلو جعل المنافر مجاورا لمنافره ، لما استحال إليه وتعطلت الحكمة ، فجعل