وقد يصل الأمر بالعبد المتحقق إلى الفناء الكلي في اللّه فلا يعي شيئا حتى ليبدو كأنه في ذهول دائم فينكر أفعاله وينسبها إلى اللّه ، وهذا المشهد لخواص الخاصة .
فيقول : " ومنهم من لا يشهد فعل نفسه ، بل يشهد فعل اللّه فقط ، فلا يجعل لنفسه فعلا ، فلا يقول في الطاعة أنه مطيع ، ولا في المعصية أنه عاص ، ومن جملة ما يقتضيه مشهدهم : أن أحدهم يأكل معك ويحلف أنه ما أكل ، ويشرب ويحلف أنه ما شرب ثم يحلف أنه ما حلف ، وهو عند اللّه برّ صدوق ، وهي نكتة لا يفهمها إلّا من ذاق هذا المشهد ووقع فيه وقوعا عينيا " « 1 » .
ويفرق الجيلي بين المشاهدة لمراتب الوجود الحقي وبين مشاهدة الكمال الإلهي متجليا في أسمائه وصفاته ، فالأولى وهم وخيال لأنها ليست سوى وجود مجازي ، لا حقيقة له عند أهل المشاهدة والتحقيق ، وهو متسق مع منطق مذهبه في رد الكثرة إلى الوحدة ، أما تجلي الحق وشهود تجلياته فهو الوجود الحقيقي فقال : " فهو سبحانه إذا تجلى شوهد بما تجلى به ، وكل مشهود متناه ، لكنه يظهر في تجليه المتناهي بلا نهاية ، فهو من حيث تناهيه بلا نهاية ، وهو من حيث واحديته شيء واحد ، والواحد لا كثرة فيه ، فلا يقال إنه لا نهاية له لأن عدم التناهي من شروط الكثرة ، وهو منزه عن الكثرة ، وهو من حيث ذاته المتعالية عن الحد والحصر والإدراك لا نهاية له ، فجمع الضدين في عين وحدته التي لا تثنية فيها " « 2 » .
أمام هذه النظرة الواحدية للوجود التي يرى الجيلي فيها : " أن اللّه هو عين كل شيء فإنه يترتب على ذلك وجود مراحل شهودية يترقّى فيها إلى أن يشهد تجلي الحقيقة في ذاته حيث يظهر فيه الجانب الحقي ويزول الجانب الخلقي ، فيعرف حقيقة القول : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " « 3 » . وقد أشار إلى ذلك فقال : " فمتى لم تعرف الوجود بهذه المعرفة - أنه عين كل شيء - لم يتجلّ عليك الحق فيها ، وبقيت وراء حجب الأكوان . ومتى لم تعرف الحق وتشهده في الوجود كله ، بل في ساير
هامش
( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 40 .
( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 3 .
( 3 ) الحديث : سبق تخريجه .