تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي — صفحة 690

مساهمون:

ص٦٩٠
الواقع أن الجيلي ينفي القول بزمن محدد في عملية الخلق من العدم إذ لا يجوز في حقه تعالى التقيد بالزمان ، ولا يتوقف وجود الموجودات على زمان معين وكذلك عدمها لا يتقيد بالزمان . لذلك فلا قبل ولا بعد إلّا ثمّ قبلية حكمية وجدت بموجب الألوهية الكاملة في نفسها : " ولا يقال يلزم من هذا جهله بها قبل إيجادها في علمه ، إذ ما ثمّ زمان ، وما ثمّ إلّا قبلية حكمية أوجبتها الألوهية لعزتها بنفسها واستغنائها في أوصافها عن العالمين . فليس بين وجودها في علمه وبين عدمها الأصلي زمان فيقال أنه كان يجهلها قبل إيجادها في علمه ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا " « 1 » . وقد أخبر الجيلي عن حقيقة هذا الأمر منبها إلى ما ينطوي عليه من سرّ إلهي تقوم عليه هذه الحقيقة الوجودية لا طاقة للفكر أن يحيط بها ، بل هي علم ذوقي كشفي تحقق به . وقد صرّح بقوله : " فإن الكشف الإلهي أعطانا ذلك من نفسه ، وما أوردناه في كتابنا إلّا ليقع التنبيه عليه ، نصيحة للّه تعالى ولرسوله وللمؤمنين ، ولا اعتراض على الإمام إذ هو مصيب في قوله على الحدّ الذي ذكرناه ، ولو كان مخطئا على الحكم الذي بيّناه . وفوق كل ذي علم عليم ، فإذا علمت هذا فاعلم أن القدرة الإلهية صفة بثبوتها انتقى عنه العجز بكل حال ، وعلى كل وجه لا يلزم من قولنا " بثبوتها انتفى عنه العجز " أن يقال " لو لم تثبت لثبت العجز ، فإنها ثابتة ، ولا يجوز في حقها تقدير عدم الثبوت ، فهي ثابتة أبدا ، والنفي منتف أبدا " « 2 » . خلاصة القول : إن تصور الجيلي للعدم مختلف عن تصور القائلين به من المذاهب الثنوية ومذاهب الكثرة ، إذ أنهم يضعون فاصلا بين الخالق والمخلوق ، ولا يتصورون الوجود إلّا وهو مسبوق بعدم حقيقي ، في حين أن العدم في نظر الجيلي ليس إلّا عدما نسبيا ، إذ العدم الحقيقي لا يمكن تصوره في ذاته ، بل هو محض افتراض وحسب .

ثالثا : الحدوث والقدم ( الأعيان الثابتة ) :

لقد ترتب على مبحث الخلق من العدم لدى الجيلي مبحث آخر وهو مبحث الحدوث والقدم ، وهل الموجودات قديمة أم محدثة ؟ وقد دعا ذلك إلى تحديد معنى
هامش
( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 58 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 58 .