ولكن ما مصير العالم لو احتجب الحق ورفع رحمته عن العالم ؟ وما الحكمة من بقاء الرحمة تظلل الوجود بأجمعه ؟
يجيبنا الجيلي على هذه التساؤلات بقوله : " إن الخلق موجود بوجود الحق ، وإلّا فلو احتجب الحق عن العالم لكان فيه فناؤه الحكمي دفعة واحدة ، لكن الحكمة شاءت عدم الفناء ، فكان عدم الاحتجاب لطف بالعالم ورحمة به " « 1 » . وعليه يمكننا القول أن العالم بما فيه ، ليس له وجود إلّا بنظر الحق إليه وعنايته به ، فهو حجابه ، والعالم قائم به وهو في عالم الذّرّ ، كذلك بعدّ الخلق لا وجود له إلّا بنظر اللّه تعالى إليه ورحمته ، لذا " فلو رفع نظره عن العالم لفني بأجمعه . . . " « 2 » إذن فعدم احتجابه من هذا الوجه لطف بالعالم ورحمة به . ويرى من وجه آخر أن احتجابه عن العالم هو سبب ظهور العالم وذلك استنادا للحديث الشريف " أن للّه سبعين ألف حجاب من نور " وهي الأسماء الثبوتية " ، وظلمة وهي " الأسماء السلبية " لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه " « 3 » وهي أنوار التنزيه الذاتي ، كل ما أدركه بصره ، فمن هذا الوجه احتجابه عن العالم لطف ورحمة .
فشدة ظهوره بالأسماء سبب بطونه بالذات " « 4 » . ولما كانت الكثرة الوجودية تعبيرا عن تجليات الأسماء والصفات الإلهية ، فاحتجابه عن هذه الكثرة فيه إفناء للعالم لأن الكثرة مردها إلى الوحدة ولذلك يرى أن " شدّة ظهور الحق إنما هو تعيّنه بالكثرات ، وذلك عين خفاء الوحدة ، فلو احتجب عن العالم بهذا الوجه لفني العالم لأنه عين الكثرة ، ولو لم يحتجب من حيث الوحدة بالكثرة لنفي العالم أيضا فالوحدة حجاب الكثرة والكثرة حجاب الوحدة " « 5 » .
وهكذا ينتهي الجيلي إلى ما انتهى إليه غيره من أصحاب وحدة الوجود بإثبات الوحدة بين الحق والخلق ، وأن العلاقة بينهما هي علاقة خلق وإيجاد من تلك الياقوتة
هامش
( 1 ) الجيلي ، شرح رسالة الإسفار ، ص . ص 43 - 44 .
( 2 ) الجيلي ، الكهف والرقيم ، ورقة 10 ، ص ب .
( 3 ) الحديث : سبق تخريجه .
( 4 ) الجيلي ، شرح الإسفار ، ص 44 .
( 5 ) المصدر السابق ، ص 45 .