الأشياء ، ولهذا أعطى عبد الكريم الجيلي اسم " الأحدية " الأعظم مظهرا " للّه " ، وليس هذا المظهر بالمعنى الصحيح سوى انتفاء كل صفة خاصة عنه ، فيما أطلق " الواحدية " على هذا المظهر الأول للألوهية التي هي بآن واحد تأليف جميع الحقائق ومبدأ تمييزها ، فالألوهية لها صفة التفرد في كل حقيقة بمفردها ، كما لها في الحقائق جميعها « 1 » .
وخلاصة القول إن الأحدية كما يرى الجيلي منبع للتحقق بالأسماء والصفات عموما ، وهي الوجه الإلهي الموجود في كل شيء ، وما قوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 2 » إلا إشارة إلى تفرد الحضرة الأحدية بأحكامها في جميع الحضرات الأكوانية والرحمانية ، وهي وجه كل شيء ، وتتمثل في قوله تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 3 » ، أي يبصركم في المحسوسات أو بأفكاركم في المعقولات فثمّ وجه اللّه " « 4 » فيحصل من هذا الكلام وما قبله أن أحدية الحق يبطن فيها حكم كل شيء من حقائق أسمائه وصفاته وأفعاله ومؤثراته ومخلوقاته ، ولا يبقى إلّا صفة ذاته المعبر عنها من وجه بالأحدية " « 5 » . لذا يدعو الجيلي إلى ملازمة باب الأحدية كي يفتح اللّه على العبد لتحقيق ذلك ، هكذا يردّ أمر الأكوان جميعها إلى " اللّه " إذ ما ثمّ إلا هو ، فما حقيقة هذه الهويّة لدى الحق عند الجيلي .
- الهويّة :
أما الهويّة فهي ثاني التنزلات في حركة الوجود المطلق ، فإذا كانت الأحدية وهي أولى التنزلات الاسم الصّرف للذات المجردة عن كل اعتبار . فإن الهويّة تعبير صريح عن غيبه الذي يبطن فيه كل اعتبار . فإذا خفيت هويّة الحق عن الخلق وجهلت معالمها ، إنما هي في الواقع يكمن فيها كل اسم أو رسم أو مرتبة من مراتب
هامش
( 1 )T . Burckhardt , Du soufisme , introduction au langage doctrinal du - soufisme , II , p . 14 .. ( 2 ) سورة القصص ، الآية : 88 ك .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 115 م .
( 4 ) الجيلي ، الكهف والرقيم ، ص 20 .
( 5 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص . ص 20 - 21 ، ( صبيح ) ، ص 18 .