تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
كما أننا سنبحث في أمر الذات وهل هي قديمة أم حادثة مما يستوجب معه البحث عن الأعيان الثابتة في العلم الإلهي ، باعتبارها حقائق الموجودات الباطنة في علمه تعالى أو في عالم الغيب . ولا بد من البحث عن فكرة الزمان والمكان وهل ترتبط بذلك مما يؤدي في النهاية إلى القول بالجبرية وانعدام حرية التّصرف لدى العبد .

أولا : الوحدة في مذهب الجيلي :

يتميز مذهب الجيلي بأنه قائم على فكرة " الوحدة " التي يعمد إلى التعبير عنها في مؤلفاته دون التصريح بها ، لذلك لم يورد كلمة الوحدة بل رمز لها بإشارات ذوقية جريا على عادة الصوفية من أهل الطريق ، إذ أن الواحد هو الموجود الحقيقي عنده ، المنزه عن الحلول في مكان ، والمخصوص في تجلّيه بحقيقة الأمكنة والجهات وذلك لقوله تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 1 » . كما يحدد مكانة هذا الواحد الذي تجتمع فيه الحقائق الوجودية من حيث تجلّيه في المراتب ، وتجلّيه فيها بحسب تفاوتها من العلوّ والسفل ، والنقص والكمال ، والأمر الملائم والمناظر والمضادّ والمناسب ، كل ذلك من غير حلول فيها أو مزج لها أو اتحاد بها أو انفصال عنها أو اتصال بها في التباعد والتقارب ، بل كما يستحقه تعالى من كماله . . . " « 2 » . لقد أقام الجيلي فكرته في التوحيد على الرمزية المتعارف عليها بين أهل الطريق ، وهدفه هو إثبات الوحدة الكاملة للذات الإلهية ، وقد عرض في كتابه " الكهف والرقيم " إشارات ذوقية تشير إلى هذه الوحدة الكاملة للذات التي تقوم على المشاهدة وترى أن اللّه وحده هو الموجود وينتفي معه وجود أي موجود ، فمشهده هنا أحديّ ذاتي لا ينظر فيه إلى ما يسميه خلقا « 3 » . وقد أنشأ كتابه على علم الحروف ، حيث رمز بكل حرف من الأحرف الموجودة في " بسم اللّه الرحمن الرحيم " من وجه معاني حقائقها بما يليق بجناب الحق سبحانه وتعالى ، كما أشار إلى النقطة من حيث أهميتها في تركيب الحرف إذ إن كل " حرف مركب من النقطة ، ولا بد لكل سورة من حرف هو أولها ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 115 م . ( 2 ) الجيلي ، نسيم السحر ، مكتبة الجندي ، القاهرة ، ص . ص 31 - 32 . ( 3 ) الجيلي ، الكهف والرقيم ، ص 18 .