كما أن عبارة الجيلي في كثير من مؤلفاته تحتمل معنى الظاهر والباطن حيث أن كلامه يحتمل الوجهين ويتضمن المعنيين ، وذلك بلغة مرموز به إلى حقائق إلهية وأمور روحانية تتعلق بحقائق الحياة الصوفية وما تقوم عليه من مجاهدات ورياضات .
كما يدل على ما تنطوي عليه عبارات الصوفية من معان مستورة باطنة وأخرى ظاهرة واضحة ، ويتمثل في قوله : " فافهم هذه الإشارات ، واعرف هذه العبارات ، فليس الأمر على ظاهره ، واللّه محيط بأوله وآخره " « 1 » . ولهذا جاءت الدعوة بعدم أخذ رموز الصوفية على ظاهرها ، بل على ما تنطوي عليه من معاني تشير إلى حالات وجدانية خاصة عندهم ، ولهذا عمد الجيلي إلى التأويل في العبارة ، فيحمّلها من المعاني ما يتفق ومنطق مذهبه مستخدما في ذلك الإشارة والرمز . وقد عبر عن ذلك بتأويله لقوله تعالى :
وَالطُّورِ
« 2 » ،
وَكِتابٍ مَسْطُورٍ
« 3 » ،
فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ
« 4 » ،
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ
« 5 » ،
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ
« 6 » ،
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ
« 7 » . فقد نبه في تأويله إلى ما ينطوي عليه من المعنى المتعارف عليه لدى الصوفية لذا يقول : " لا تكتف بظاهر اللفظ ، بل أطلب ما وراء ذلك بما أنبأنا عليه من الإشارات ، وأومأنا إليه بلطيف العبارات ، واعلم أن جميع هذه العبارات المعتمد على ظواهرها في قول أهل الشرائع فأنت المراد بها في باطن الأمر ، فأنيتك هي الحاوية لجميع تلك العبارات . . . واعلم أن المراد بالطور نفسك ، قال تعالى : وناديناه من جانب الطور الأيمن أي جانب النفس . . .
فاعلم أن هذا الكتاب المسطور هو الوجود المطلق على تفاريعه وأقسامه . . . " « 8 » ذلك هو أسلوب الجيلي في أغلب مؤلفاته وإن كان يميل في بعضها إلى الوضوح والمنهجية .
هامش
( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص . ص 76 - 77 .
( 2 ) سورة الطور ، الآية : 1 ك .
( 3 ) سورة الطور ، الآية : 2 ك .
( 4 ) سورة الطور ، الآية : 3 ك .
( 5 ) سورة الطور ، الآية : 4 ك .
( 6 ) سورة الطور ، الآية : 5 ك .
( 7 ) سورة الطور ، الآية : 6 ك .
( 8 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص . ص 91 - 92 .