عربي أنه لو كان حقا يجمع بين الفلسفة والتصوف لظهر بمظهر الفيلسوف المتأله الذي يجمع بين العظمة الفكرية وجزالة المعنى وعمق التفكير وغموضه ويستند إلى المنطق كآلة في ضبط ذلك ، ولكنا كما تبينا من خلال عرضنا لمذهبه أنه صوفي ملتزم بالشرع ، ومنهجه الذوق والوجدان ، وآلته الكشف والمشاهدة ، ومعرفته متجهة نحو حقيقة الذات الإلهية وما تنطوي عليه من الأسرار والحقائق التي يسعى الصوفي بمجاهداته ورياضته الروحية للتحقق بها والوصول إلى معرفة كنهها وماهيتها . وهذا لا يحصل إلا لصاحب الأنفاس الإلهية في معارجها الروحية كما يصورها ابن عربي حيث يقول : " الأنفاس العلوية تعرج إليها الأرواح البشرية فتخترق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى ، إلى النور الأجلى ، إلى المورد الأملى ، إلى الموقف الأسنى ، إلى المكانة الزلفى ، إلى الجنة المأوى ، إلى المستوى الأعلى ، إلى العقل الأسمى ، إلى حجاب العزة الأحمى ، إلى الأسماء الحسنى بالمقام الأبهى والمحل الأزهى ، إلى أن دنا من قاب قوسين أو أدنى ، فهناك يبلغ المنى " « 1 » .
هكذا كان شأن ابن عربي في تحققه بالعلم اللدنّي وذلك نتيجة معراجه الروحي ، فهل كان هكذا شأن الفلاسفة في كسبهم لعلومهم وتحصيلهم لها ، أم كان الفكر والنظر وسيلتهم في ذلك ، وقد نبّه ابن عربي إلى ذلك حيث قال :
لأن علوم القوم ذوق وخبرة * وهذه علوم ليس تدرك بالفحص « 2 »
فنبّه بذلك إلى أن طبيعة هذا العلم لا تحقق المعرفة الحقيقية لأن صاحب الفكر ليس بصاحب حال ولا ذوق وأن الاشتغال بالفكر حجاب ، ولذا ينفي أن تكون علومه من هذا القبيل فقال : " إن علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر وإنما هي من الفيض الإلهي . . . " « 3 » وقوله : " جميع علومنا من علوم الذوق لا من العلم بلا ذوق ، فإن علوم الذوق لا تكون إلّا عن تجل إلهي ، والعلم قد يحصل لنا بنقل الخبر الصادق وبالنظر الصحيح " « 4 » ، وطريق ذلك المكاشفة ، والعقل قاصر عن درك ذلك ، فحدد بذلك طريق
هامش
( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 418 .
( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص . ص 116 - 117 .
( 3 ) الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، مصدر سابق ، الجزء الأول ، ص 25 .
( 4 ) المصدر السابق ، ص 25 .