إلى عبادة موحّدة للّه ، وقد قال أنه " إن صحّ ما دعا إليه ابن عربي من عدم التفريق بين الأديان ، ووجوب الاعتقاد بها على أنها فروع لأصل واحد ، فإنه ينبني على ذلك ألّا يكون الأنبياء منصفين حين أنكروا على الكفار عبادة غير اللّه فينتج عن قولهم هذا أنه مذهب يخالف العقل والنقل على حد سواء . ويخالف ما جاء في الكتاب المبين " « 1 » .
الواقع أن حجة ابن تيمية والمقبلي وغيرهما يمكن دحضها أو تفنيدها استنادا إلى قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 2 » فهذه الآية إن دلت على شيء فإنما تدل على أن القرآن إذ يخبر عن أتباع دين محمد بأنهم الذين آمنوا ، إنما يسوّي في الأجر بينهم وبين اليهود والنصارى والصابئين ، ما دام الإيمان باللّه قائما وباليوم الآخر ويعملون صالحا « 3 » .
لذلك ، إذا شئنا أن نحدد معنى العبادة الحقة ، فهي لا تكون إلّا للرب المطلق كما قال تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ
« 4 » . أما الإله المعتقد به فليس له الخلق ولا يستحق العبادة . أما من حيث كونه كفرا فلأن العبد قد يتوهم فيه أسرارا ما سوى الحق في الألوهية ، حيث لا يوجد السوى . وهذا ما جاء في قول موسى وإحراقه للعجل الذي صنعه السامري وإلقاء رماده في اليمّ ، فالعجل هنا ليس إلّا رمزا للصور الوجودية المحدودة ، كما أن اليمّ ليس إلّا رمزا لبحر الوجود الزاخر تنمحي فيه حدود جميع الصور « 5 » .
وقد حاول العلم الحديث إثبات هذه الوحدة في مبحث " في الدين وأصله " وذلك من خلال منهج علمي قائم على المشاهدة والاستقراء ، والتحليل ، والتعليل ، والموازنة ،
هامش
( 1 ) المقبلي ، العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ ، القاهرة ، 1328 ه ص . ص 467 - 468 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 62 م .
( 3 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، مرجع سابق ، ص . ص 396 - 397 .
( 4 ) سورة الأنعام ، الآية : 102 ك .
( 5 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، ص 285 .