والجوهر ، إنما هو اختلاف في الاسم والمظهر ، والحق أن جميع الأديان أسماء متعددة لمسمى واحد ، ومظاهر متغايرة لحقيقة واحدة « 1 » . وقد زاد ابن عربي على الحلاج قوله بأن العارف المكمل هو من نظر إلى كل معبود على أنه مجلى للحق يعبد فيه « 2 » . وأنكر ما يعبد من الصور من حيث هي أعيان ، وعبد اللّه في تلك الصور من حيث هي مجالي يتجلّى فيها المعبود الواحد الحقيقي ، ومن هنا كانت العبادة الباطلة أن يقف العبد عند مجلى واحد يقصر عليه عبادته دون بقية المجالي ، ويتخذ من هذا المجلى معبودا يسميه إلها ، فيقول : " ولذلك سمّوه كلهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان ، أو كوكب أو فلك . هذا اسم الشخصية فيه ، والألوهية مرتبة معبوده ، وهي على الحقيقة مجلى الحق لبصر هذا العابد المعتكف على هذا المعبود في المجلى المختص ، ولهذا قال بعض من عرف مقالة جهالة
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
« 3 » مع تسميتهم إياهم آلهة . . فإنهم وقفوا مع كثرة الصور ونسبة الألوهة لها " « 4 » .
وهذا ما يلفت إليه ابن عربي النظر بأنه جهل ، لذا فهو يرى أن العبادة الصحيحة هي أن ينظر العبد إلى جميع الصور على أنها مجال لحقيقة ذاتية واحدة هي " اللّه " ، فيقول شعرا :
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي * إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى الغزلان ومصحف قرآن
وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجهت * ركائبه فالحب ديني وإيماني « 5 »
فابن عربي يفرق هنا بين الأديان من حيث هي صور مختلفة متمايزة بعضها عن بعض ، فكل دين يتنوع بتنوع الواردات عليه ، كما تتنوع الواردات بتنوع أحواله ،
هامش
( 1 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، الحياة الروحية في الإسلام ، ص 118 .
( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الجزء الأول ، ص 195 .
( 3 ) سورة الزمر ، الآية : 3 ك .
( 4 ) المصدر السابق ، ص . ص 195 - 196 .
( 5 ) ابن عربي ، ذخائر الأعلاق ، شرح ترجمان الأشواق ، ص . ص 49 - 50 . ( انظر مدخل إلى التصوف الإسلامي للتفتازاني ، ص 246 ، وانظر الحياة الروحية في الإسلام ، محمد مصطفى حلمي ، ص 147 ) .