مستفاد من واجب الوجود وهو اللّه ، فإن الحق يقدّر وجود الأشياء من الأزل ، ولا يقال أن الشيء موجود أزلا فوجود العالم والحالة هذه مقدّر أزلا فقط ، وعليه فلا يكون الأزل أمرا متوهما كما هو شأن الزمان ، ولكنه ليس بأمر محقق أيضا في رأيه ، ولا يمكن حصر وجود الحق فيه كما يحصر الزمان وجود الخلق فيه ، وفي ذلك يقول : " فقد ثبت لك التقدير في الأزل كما ثبت لك التقدير في الزمان ، وأن الزمان أمر متوهم لا وجود له ، وكذلك الأزل وصف سلبي لا وجود له ، فإنه ما هو عين اللّه ، وما ثم إلا اللّه ( والأزل ) ما هو أمر وجودي يكون غير الحق ، ويكون الحق مظروفا له ، فيحصره في كونه ظرفا كما يحصرنا الزمان في كونه ظرفا لنا على الوجه الذي ذكرناه " « 1 » . وقد تخيلت طائفة أن الأزل مثل الخلاء امتداد معقول ، كما أن الخلاء امتداد في غير جسم ، كذلك الأزل امتداد من غير توالي حركات الزمان ، ولكن ابن عربي يرد هذه الأقوال جميعها إذ لا يصح عنده توهم الأزل بأنه تقدير زمان ، ولا أنه امتداد ، لكن ما يراه المحققون أن الأزل عندهم حكمه حكم القدم ، وهو نفي الأولية فهو نعت سلبي ليس بصفة أصلا « 2 » .
ويتصل هذا القول بمسألة الوجود ، وما يراه ابن عربي أنه لا يكون عن هذه الحقيقة وجود ، فيكون الزمان للممكن نسبة متوهمة الوجود لا موجودة ، لأن كل شيء تفرضه يصح عنه السؤال بمتى ، ومتى سؤال عن زمان ، فلا بد والحالة هذه أن يكون الزمان أمرا متوهما لا وجود له ، وهو في قوله هذا يستند إلى ما ورد على لسان الحق ، وما جاء به حديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيقول في حق الحق : " ولهذا أطلقه - أي الزمان المتوهم - على نفسه في قوله :
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
« 3 » و
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
« 4 » . وفي السّنّة تقرير قول السائل : " أين كان ربنا قبل
هامش
( 1 ) يحيى ( عثمان ) ، الفتوحات ، مرجع سابق ، ( ف 27 ) ، الجزء الخامس والثلاثون ، ص 60 .
( 2 ) ابن عربي ، كتاب الأزل ( الرسائل ) ، ص . ص 6 - 7 .
( 3 ) سورة الفتح ، الآية : 26 .
( 4 ) سورة الروم ، الآية : 4 ك .