إيمانه بموقفه من حكم القضاء ودوره في عملية الخلق فقد كان ابن عربي يردّ أمر كل موجود إلى قضاء اللّه ، حيث أن اللّه قضى بأمر هذا الوجود للخلق ، ولكن اختلف في أمر ذلك : فمن قائل بنفيه وسبق وجود الأعيان له ، ومن قائل به وأنّ به وجدت الأعيان ، ولهذا اعتبر ابن عربي " أن كل ما هو العالم فيه قضاء ، فلا شيء أوسع من قضاء القضاء ، ويعني عين ما ظهر فيه القضاء : هل هو من حكم القضاء أم لا ؟ فمن جهل الأعيان الثابتة لم يجعل العين التي ظهرت فيه أحكام القضاء من أحكام القضاء ، ومن علم أنّ أعيان الموجودات لها ثبوت في حال عدمها وتميز بجميع ما هي عليه جعل حكم القضاء على تلك الأعيان ، فجرى عليها بالإيجاد فأوجدها ، فكما جرى حكم القضاء على كل ما هو في الوجود من الأعيان بما هي عليه من التعريف ، كذلك جرى حكم القضاء على الأعيان الثابتة بما ظهر من وجودها " « 1 » .
ويميز ابن عربي بين القضاء والقدر ، فالقدر هو تعين حدوث شيء من الأشياء على نحو ما هو عليه في عينه الثابتة في وقت معين ، على حين أن القضاء هو حكم اللّه في الأشياء أن تكون على النحو الذي قدّر لها أن تكون عليه ، وبهذا سبق القدر القضاء ، ولكن اللّه ينفذ حكمه في الأشياء بحسب علمه بها ، وعلمه بها راجع إلى ما تعطيه الأشياء نفسها مما هي عليه في ذاتها ، فكان القضاء والعلم تابعان للمعلوم . وقد اعتبر ابن القيّم فكرة ابن عربي " أن علم اللّه في الأشياء على ما أعطته المعلومات مما هي عليه في نفسها " أن في هذا نسبة الجهل إلى اللّه تعالى ، فيرى أن المقرر في عقائد المسلمين أن علم اللّه ذاتي لا يستفيده من شيء آخر ، على حين كان موقف ابن تيمية موقف المنكر على ابن عربي ما قال به من الأعيان الثابتة في العدم ، بل اعتبره قولا باطلا . ولكن ابن عربي يرى أن سرّ القدر من أجلّ العلوم لأن العلم به يعطي الراحة الكلية للعالم به . ويرجح أبو العلا عفيفي أن سرّ القدر هذا لديه إمّا الأعيان الثابتة للموجودات الحاصلة في الأزل من العلم القديم ، أو كون الموجودات تظهر في وجودها على نحو ما كانت عليه في ثبوتها " « 2 » . فالعلم بسر القدر إذن هو العلم بسرّ الوجود
هامش
( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 545 .
( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، ص 165 .