القبور . وحقا ذلك ، فكم من ميت حيّ ، وكم من حيّ ميت ، ولطالما قيل : " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " « 1 » ، وذلك مصداق لقوله تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
« 2 » . وقد أشار إلى مدة خلوته فقال : " فأقمت بتلك الجبّانة أربعة أيام وخرجت بعدها بهذه العلوم كلها " « 3 » . هكذا بدأ تحوّل ابن عربي إلى الطريق الصوفي مبكرا متتلمذا على كتب الصوفية ، وقد تمّ ذلك قبل عام 580 ه . كما صرّح هو بدخوله الحياة الصوفية في هذا التاريخ حيث أشار إلى ذلك بقوله : " نلت هذا المقام في دخولي هذه الطريق سنة ثمانين وخمسمائة " « 4 » فيكون من المؤكد أن تحوّله تمّ قبل وفاة والده ببضع سنين مما يدل عليه حواره مع ابن رشد . وفي هذه المرحلة من حياته بدأ ابن عربي بالتّزود من معارف الصالحين من أهل الطريق ، وعقد العزم على التعرف على رجالهم والبحث عن شيوخهم ، ولذلك نراه قد كثرت رحلاته ، وكلها تهدف إلى لقاء الشيوخ وتحصيل العلم واكتساب المعارف وبناء الرجال .
ورغم أن ابن عربي وصل إلى منزلة عالية كريمة ، إلا أنه كان يعترف بأن كل من يلقاه فهو شيخ له . وشيوخ ابن عربي في الطريق كثر ، وكل شيخ له مزية خاصة وذوق خاص ، والطريق الصوفي غاصّ بالأسرار ومليء بالعقبات ، وكل سرّ له طريق لا يمكن النفاذ إليه إلا بإرشاد يعرفه شيخ ولا يعرفه آخر ، هذا كله دفعة إلى أن يغوص في كل البحور ، ويفهم كل الإشارات ويترجم بمختلف الأسرار « 5 » .
وتعتبر أشد الصلات أثرا في تكوين روح ابن عربي هي تلك التي عقدها مع شيخه أبي العباس العريبيّ « * » ، لأنها كانت الأولى والأثبت ، يقول في رسالة روح
هامش
( 1 ) هو قول علي رضي اللّه عنه ( الأسرار المرفوعة ، ص 368 ) .
( 2 ) سورة ق ، الآية : 122 .
( 3 ) القاري البغدادي ، مصدر سابق ، ص 23 .
( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ( بولاق ) ، ص 559 .
( 5 ) فرغلي ( عبد الحفيظ ) ، مرجع سابق ، ص 36 .
( * ) هو أبو العباس العريبي ، أحمد ، وهو أول شيوخه في الطريق الصوفي ، وله مواقف معه منها موقف من الخضر عليه السلام ، ( هكذا ورد في كتابه الفتوحات المكية ، ج - 28 ، الباب الخامس والعشرون ، كذلك ج - 29 الباب السابع والستون ، وله ترجمة مطولة في كتاب روح القدس لابن عربي ، مخطوط ورقة 44 ، وفي مختصر الدرة الفاخرة له أيضا ( مخطوط ) .