عرف ربه " ، فهو لم يعرف نفسه إلا واحدا في كثير ، أو كثيرا في واحد ، لذلك فهو لم يعرف ربه إلا بصورة معرفته بنفسه فقط ، ولذلك كبر عليه دعاء الحق بالوحدانية دون سائر الوجوه ، ومن هنا ساق اللّه له الرحمة التي وسعت كل شيء . إذن فهو يدعو بالكثرة إلى عين واحدة ، أو بالوحدة إلى حقائق كثيرة لكن لا بما يغيّر المعنى لقوله :
فالكل في حكم الوجود * فالكل في عين الشهود
لتعلم رحمته للورى * وتبين أعلام الجحود « 1 »
وعليه ، فالعين كما يراها هو واحدة في المجموع ، وليست الأسماء إلا نسب وإضافات وهو موضع الكثرة ، إذ أن العين لا شيء من ذلك فيها ، ويشير إلى ذلك بقوله : " هو لا هو ، أنت لا أنت . . . فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره ، وما ثمّ من يراه غيره ، وما ثم من يبطن عنه ، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه . . . والعين واحدة واختلفت الأحكام ولا سبيل إلى جهل مثل هذا فإنه يعلمه كل إنسان من نفسه وهو صورة الحق " « 2 » .
ألا للّه ما الأكوان فيه * من أحكام التناقض في الوجود . . .
فتظهر كثرة والعين فيها * وحيد بالدلائل والعقود
فسبحان المراد بكل نعت * من أوصاف الألوهية والعبيد
وسبحان المحيط بكل شيء * ويوصف في المعارف بالمزيد « 3 »
فالحق متميز عن الخلق متفرد بالوحدة وذلك من حيث الأسبقية ، إذ أن الحق تعالى له التقدم على الخلق من جميع الوجوه " فكان ولا مخلوق معه " هذا تقدم الوجود عند ابن عربي ، لذا فقد تميز الحق عن الخلق فكان له الوحدة وكان لها التعدد والتكثر ، كما أعطى لكل مخلوق أحدية التمييز لتكون الأحدية عنده ذوقا فيعلم أنّ ثمّ أحدية ليعلم منها الأحدية الإلهية ، فيقرّ بها للّه تعالى إذ " أنه لو لم يكن لكل مخلوق أحدية ذوقا يتميز بها
هامش
( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 484 .
( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، مرجع سابق ص 120 . ( انظر شرح بالي أفندي هامش شرح القاشاني ، ص 114 ) .
( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 181 .