والعرف « ما استقرّت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقّته الطبائع بالقبول ، وهو حجّة أيضا لكنه أسرع إلى الفهم ، وكذا العادة ، وهي ما استمرّ الناس عليه على حكم العقول ، وعادوا إليه مرّة بعد أخرى » « 1 » .
إن مقارنة مع لفظ العلم تميّز لنا الفرق بين علم وعرف . فالعلم : « هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع . وقال الحكماء هو حصول صورة الشيء في العقل . . . والعلم هو إدراك الشيء على ما هو به » « 2 » .
« والعلم يقال لإدراك الكلّي أو المركّب ، والمعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط ، ولهذا يقال عرفت اللّه دون علمته . فمتعلّق العلم في اصطلاح المنطق ، وهو المركّب ، متعدّد ، كذلك عند أهل اللغة وهو المفعول الواحد . . . وأيضا يستعمل العلم في المحل الذي يحصل العلم لا بواسطة . والعرفان يستعمل في المحل الذي يحصل العلم بواسطة الكسب ، ولهذا يقال اللّه عالم ولا يقال عارف ، كما لا يقال :
عاقل . . إذ لفظ المعرفة شاع في الإدراك بعد النسيان أو بعد الجهل . وقد يستعمل العرفان فيما تدرك آثاره ولا تدرك ذاته ، والعلم فيما تدرك ذاته » « 3 » .
ولنخلص مما سبق بالقول : إن عرف ومعرفة وعرفانا تشير إلى ذلك العلم بالإلهام أو بالوحي ، الذي يدرك البسائط ولا يعقل الكلي والمركب . ثم إن عرفان على وزن فعلان : خصوصيته الدلالة على التفعّل والاضطراب خفيفا أو ثقيلا . . . وفي كونه اسما يدل على الذي يبدو ويختفي ، كالأضواء القائمة على وضع كيمي « 4 » . وفعلان :
خصوصيته الدلالة على الشيء المحشو من معنى الوصف أو في معنى الوصف « 5 » .
وبهذا نرى العرفان على وزنيه يدلّ على الاضطراب والظهور والاختفاء ، بمثل ما يدلّ على الحشو في الوصف . وبهذا تكون دلالة العرفان اللغوية مطابقة لدلالة كنهه كتيار وتوجّه معرفي . إنه يعني المعرفة المباشرة بالبسيط مع ما يداخل هذا العمل من ظن واضطراب وما يباطنه من معنى الكشف والحدس وظهور الأضواء والحشو في الوصف ، أي ما زاد من الأعراض على الأشياء . فهو درب من دروب المعرفة يحصّل بمسالك الغموض والضبابية عندما يقارنه أصحاب البرهان بطريقهم ومصطلحهم
هامش
( 1 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 149 .
( 2 ) المرجع ذاته ، ص 104 .
( 3 ) الكفوي ، الكليات ، ج 3 ، ص 204 .
( 4 ) العلايلي ، المقدمة اللغوية ، ص 66 .
( 5 ) المرجع ذاته ، ص 75 .