المصطلح والتصوف والمعرفة
أورد الكلاباذي المتوفّى 380 ه قول بعض المتكلمين لأبي العباس ابن عطاء :
« ما بالكم أيها المتصوفة قد اشتققتم ألفاظا اغتربتم بها عن السامعين وخرجتم عن اللسان المعتاد » « 1 » . إن هذه الألفاظ قد شكّلت تباعا زادا مصطلحيّا زاخرا بالمعاني والتبدّيات المعبّرة والدالّة على تجربة ذوقية خاصة ، تحمل في طيّاتها الكثير من الدلالات والأبعاد والرؤى ، بها اجتازت اللفظة المدلولات المعتادة نحو آفاق جديدة وتجريدات متعالية ، بعضها أغنى اللغة العربية وبعضها كان رموزا وإشارات . ولقد قدّست الكلمة واللفظة عند بعض الصوفية حتى اعتبروها وسائط للتعبير ، بل إن أفرادا منهم أعطى للحروف قدرات وصدى وإشارات .
وإذا انحصر الدور في جمعنا هذه المصطلحات إلا أن هذا الجمع يهدف فيما يهدف إلى مدّ نظر الباحثين بذاك الزاد المبيّن لهذا التراث متيحا أمامهم ، بنظم وتيسير ، زخما مصطلحيا معبّرا عن تلك الفلسفة الخاصة وعن ذاك الموروث ، ليعمل فيه تحليلا وتفكيكا وتعليقا ، علاوة على الغنى اللفظي الذي يصيب الحركة المعجمية العربية . إذ يمكن القول إن الصوفي وجد في الإسلام فحصل فهمه ثم تفسيره ثم قوله ، أما الباحث فسيعود دائريا من قول الصوفي إلى تفسيره ففهمه بواسطة المصطلحات .
وقد سبق لبعض أئمة التصوّف وأوليائه أن تنبّه لأهمية المصطلح الصوفي ، فجمعه وأفرد له التصانيف ، من أمثال ذلك اصطلاحات الصوفية للقاشاني وتعريفات ابن عربي وسواها .
بمثل ما تتحدّث بعض التصانيف عن خوارق الصوفية وكرامات الأولياء « 2 » .
وإضافة إلى الغنى المعجمي الذي يقدّمه لنا عمل جمع المصطلح فإنه يهيّئ أمام الباحث والمحلّل مجالا خصبا لرؤية نفسية المتصوف من خلال قوله وكلامه ، وللمقارنة بين اصطلاحات المتصوفة واصطلاحات العلوم العربية والإسلامية الأخرى . ومن ذلك مثلا ما عرضناه في فصل العرفان « 3 » عند تحليل بعض
هامش
( 1 ) الكلاباذي ، أبو بكر محمد ، التعرّف لمذهب أهل التصوف ، تحقيق محمود سرور ، القاهرة ، 1960 ، ص 88 .
( 2 ) من ذلك ما أورده النبهاني في جامع كرامات الأولياء ، وما جمعه عبد القادر محمود من الفكر الصوفي في السودان وصدر بالقاهرة عن دار الفكر العربي 68 - 69 ص 88 - 103 حيث تحدّث مثلا عن زروق المغربي الذي أحيا حمارا والشيخ حسن ولد حسونة الذي أحيا ميتا بعد دفنه ، ومجيء المهدي بعد أن نقش اسمه على بيض الدجاج وورق الشجر وأيّده اللّه في حروبه بالملائكة والجان وقاد جيشه النبي محمد الخ . . .
( 3 ) الفصل الرابع من كتاب أثر الخصوصية العربية في المعرفية الإسلامية لرفيق العجم ، صدر في بيروت عن دار الفكر اللبناني عام 1993 .