كرم المرحوم الحداد وَجوده وإنفاقه كان بغير حدود
وكان من دأب المرحوم الحدّاد حين يصل إلى فقير ومحتاج أن يضع يده في جيبه فيعطيه بلا عدّ أو حساب ، وكان يُعطي أحياناً كلّ ما يملك . ولم نشاهده طوال مدّة عمره وهو يعدّ نقوداً .
وقد حدث يوماً في كربلاء ، أن ذهب إلى منزل والد العروس المراد خطبتها إلى ولده السيّد برهان الدين لطلب يدها ، فصحبه إلى ذلك المجلس جمع من الرفقاء من بينهم الحاجّ عبد الجليل والحاجّ آقا معين والحاجّ أبو موسى . فجلس السيّد في الزاوية غارقاً في خواطره ، وأحسّ فجأة أنّهم يتبادلون بينهم كلمات ما ، فسأل : ما ذا تقولون ؟
قالوا : نتحدّث عن المهر فنحن نقول إنّه سبعون ديناراً وعائلة العروس يقولون : ثمانون ديناراً .
فقال : اجعلوه مائة وخمسين ديناراً !
فصمت الجميع إذ سمعوا منه هذا الكلام ، وعيّنوا المهر مائة وخمسين ديناراً .
وقد مرّ سابقاً أنّه لم يكن يعيّن لمعاونه في الدكّان راتباً معيّناً ، بل كان معاونه يأخذ من واردات الدكّان ما يحتاجه ، فكان يتبقّى للسيّد أحياناً مائة فلس أو مائة وخمسون فلساً أو لا يتبقّى شيء له أبداً ، فيعود بهذا المبلغ البسيط إلى المنزل الغاصّ بعائلته الكبيرة .
ولقد ذكرنا سابقاً أنّ عمله كان الحدادة وصناعة النعل ، فكان يبيع ما لديه إلى المشتري بقيمة أقلّ من جميع الحدّادين الآخرين ، وكان يوفي الكيل عند الوزن ، ثمّ يضيف قدراً من النعال الحديديّة إلى ما سبق أن وزنه . ولم يكن ليستثني أحداً من بيعه نسيئةً ، فكان يبيع بالنسيئة كلّ من شاء ، لذلك صارت طريقته هذه في الكسب سبيلًا لارتزاق البعض . فكان بعضهم يجيء أحياناً فيشتري منه بالنسيئة بضاعة بهذه الكيفيّة ، ثمّ يُعيده