بمثل هذا الخطاب وما عبّر عن تولّيهم عن القتال بمثل هذه الكلمة ، قال تعالى :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيئا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرينَ . « 1 » فالحقّ أنّ المراد بالانقلاب على الأعقاب الرجوع إلى الكفر السابق .
فمحصّل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب والتوبيخ : أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلّم ليس إلّا رسولًا من الله مثل سائر الرسل ، ليس شأنه إلّا تبليغ رسالة ربّه لا يملك من الأمر شيئاً . وإنّما الأمر للّه والدِّين دينه باقٍ ببقائه . فما معنى اتّكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أن لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين ، ورجعتم إلى أعقابكم القهقرى واتّخذتم الغواية بعد الهداية ؟ !
وهذا السياق أقوى شاهد على أنّهم ظنّوا يوم أحد بعد حمي الوطيس أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد قُتل فانسلّوا عند ذلك وتولّوا عن القتال . فيتأيّد بذلك ما ورد في الرواية والتأريخ - كما في ما رواه ابن هشام في « السيرة » - أنّ أنَس بن النضر - عمّ أنس بن مالك - انتهى إلى عمر بن الخطّاب ، وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار - وقد ألقوا بأيديهم - فقال : ما يحبسكم ؟ !
قالوا : قُتل رسول الله . قال : فما ذا تصنعون بالحياة بعده ؟ ! فموتوا على ما مات عليه رسول الله . ثمّ استقبل القوم فقاتل حتى قُتل .
معنى الشكر في الآية : وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ
وبالجملة : فمعنى هذا الانسلال والإلقاء بالأيدي أنّ إيمانهم إنّما كان قائماً بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم يبقى ببقائه ويزول بموته . وهو
هامش
( 1 ) - الآية 25 ، من السورة 9 : براءة .