والله تعالى لا يغيب عن شيء ، ولا يغيب عنه شيء ، ولا يفقد منه شيء ، ولا يخلو منه مكان ولو بقدر غمضة عين . هو في كلّ مكان ، وهو محيط بكلّ شيء . وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . « 1 » ألآ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ . « 2 »
إن وجود الموجودات أوّلا وبالذات قائم به ، وثانياً وبالعرض من أجله . ولقد طُبع على ناصيتها بختم الإمكان ، وإنّها لمعلولة ومخلوقة وضعيفة وفقيرة وعاجزة وإنّ وجود الله البحت والبسيط والمطلق قوام الموجودات بأسرها ، والأصل الأصيل للأشياء برمّتها . هُوَ الأوَّلُ وَالأخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . « 3 »
إن الأوصاف التي تتّصف بها الذات الإلهيّة كالحياة ، والعلم ، والقدرة هي مفاهيم يدركها العقل ، ويثبت برهانها لذاته . وهذه المفاهيم بما هي مفاهيم محدودة ومتمايزة فيما بينها ، ولا سبيل لها في ذاته ، وإلّا يلزم التركيب والكثرة في ذاته ، وتجتمع الصفات المتضادّة والمتعدّدة فيها .
وشأن المفهوم الكلّيّة والكثرة ، ولو ضممنا إليها ألف قيد ، فلا يخرج عن الكثرة والمفهوم . مثلًا لو قلنا : علمه كبير ولا يتناهى ، فهو مفهوم . ولو قلنا : علمه ليس كعلم سائر الموجودات ، فهو أيضاً مفهوم ومثار الكثرة . فتكثير القيود لا يصنع منه شخصاً خارجيّاً ، ولا يفصله عن الكثرة والمفهوم . وأنّ مصداق هذه المفاهيم في الخارج ، إذ هي الوجود الخارجيّ للأسماء والصفات ، محدودة ومتمايزة بعنوانها ، ولامكان لها في الذات الإلهيّة ، وليس لها سبيل إلى تلك الذروة العالية ، حتى تحوز عنوان الصفات
هامش
( 1 ) - الآية 47 ، من السورة 34 : سبأ .
( 2 ) - القسم الأخير من الآية 54 ، من السورة 41 : فصّلت .
( 3 ) - الآية 3 ، من السورة 57 : الحديد .