وَاخْشَونِ . فهذه الآية تأمر بخشية خاصّة غير الخشية العامّة التي تجب على المؤمن على كلّ تقدير ، وفي جميع الأحوال لا تخلو من نوع من التحذير والتهديد . فلننظر ما هي خصوصيّة هذه الخشية ؟ وما هو السبب الموجب لوجوبها والأمر بها في هذه الآية الكريمة ؟
لا شكّ أنَّ هاتين الفقرتين من الآية ، أعني قوله : ألْيَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ، وقوله : ألْيَومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي مرتبطتان مسوقتان لغرض واحد ، كما أشرنا من قبل . فالدين الذي أكمله الله ذلك اليوم ، والنعمة التي أتمّها - وهما أمر واحد بحسب الحقيقة - هو الذي كان يطمع فيه الكفّار ويخشاهم فيه المؤمنون ، فأيأسهم الله منه ، وأكمله وأتمّه للمؤمنين ، ونهاهم عن أن يخشوهم فيه .
فالشيء الذي أمر الله المؤمنين بالخشية من نفسه فيه هو ذاك بعينه الذي أكمله الله وأتمّه . والخشية من الله فيه تتمثّل في أن ينزع الله الدين من أيديهم ، ويسلبهم هذه النعمة الموهوبة .
ونعلم أنَّ الله بيّن في القرآن الكريم أن لا سبب لسلب النعمة إلّا الكفر بها ، وهدّد الكفور أشدّ التهديد ، فقال جلّ من قائل : ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنفُسِهِمْ وَأنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . « 1 »
وقال تعالى : وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . « 2 »
وضرب الله تعالى في القرآن الكريم مثلًا عامّاً لنعمه التي ينعم بها
هامش
( 1 ) - الآية 53 ، من السورة 8 : الأنفال .
( 2 ) - الآية 211 ، من السورة 2 : البقرة .