الذي به يسمع ، وقدرته التي بها يفعل ، وعلمه الذي به يعلم ، ووجوده الذي به يوجد .
فصار العارف حينئذٍ متخلّقاً بأخلاق الله تعالى بالحقيقة ؛ وهذا معنى قول الشيخ : الْعِرْفَانُ مُمْعِنٌ في جَمِيعِ صِفَاتٍ هِيَ صِفَاتُ الْحَقِّ لِلذَّاتِ المُريدَةِ بِالصِّدْقِ .
ثمّ إنّه بعد ذلك يعاين كون هذه الصفات وما يجري مجراها متكثّرة بالقياس إلى الكثرة ، متّحدة بالقياس إلى مبدئها الواحد ؛ فإنّ الذاتيّ هو بعينه قدرته الذاتيّة ، وهي بعينها إرادته ؛ وكذلك سائرها .
وإذ لا وجود ذاتيّاً لغيره فلا صفات مغايرة للذات ولا ذات موضوعة للصفات ؛ بل الكلّ شيء واحد كما قال عزّ من قائل :
انّمَا اللهُ إلَهٌ وَاحِدٌ « 1 » .
فهو هو لا شيء غيره . وهذا معنى قوله : مُنْتَهٍ إلى الْوَاحِدِ ؛ وَهناك لا يبقى واصف ولا موصوف ، ولا سالك ولا مسلوك ، ولا عارف ولا معروف ، وهو مقام الوقوف . « 2 »
وقال ابن سينا أيضاً في النمط العاشر من « الإشارات » : وَإذَا بَلَغَكَ أنّ عَارِفاً حَدَّثَ عَنْ غَيْبٍ فَأصَابَ مُتَقَدِّماً بِبُشْرَى أوْ نَذِيرٍ فَصَدِّقْ ! وَلَا يَتَعَسَّرَنَّ عليكَ الإيمانُ بِهِ ! « 3 »
ثمّ قال : التَّجْرِبَةُ وَالْقِياسُ مُتَطابِقَانِ علَى أنّ لِلنَّفْسِ الإنسانِيَّةِ أن تَنالَ
هامش
( 1 ) - الآية 171 من السورة 4 : النساء .
( 2 ) - « الإشارات » وشرحها ، الطبعة الحجريّة ، أواخر النمط التاسع وهو في مقامات العارفين ، وفي الطبعة الحديثة ج 3 ص 389 إلي 390 الطبعة الأولى : في المطبعة الحيدريّة سنة 1379 ه - .
( 3 ) - « الإشارات » الطبعة الحديثة ج 3 ، ص 119 .