وتعدّه تارة أخرى مختصّاً بذاته القدسيّة ومنحصراً به عزّ وجلّ ؛ ثمّ تعتبره مختصّاً بالله وتنسبه - كذلك - إلى غيره بإذنه ورضاه ؛ كما في الآية 65 ، من السورة 27 : النمل : قُل لَّا يَعْلَمُ مَن في السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إلَّا اللهُ .
وكما في الآية 59 ، من السورة 6 : الأنعام : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إلَّا هُوَ .
والآية 27 ، من السورة 72 : الجنّ : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَداً ، إلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ .
حيث تصرّح الآية الأخيرة بأنّ الله تعالى يُطلع على غيبه رسله الذين ارتضاهم . ومن الواضح انتفاء التعارض بين هذه الآيات ، لأنّ ما يعلمه الله سبحانه من علم الغيب ، فقد علم به أوّلًا وَبِالذَّاتِ وَبِالأصَالَةِ ، وما يُطلع عليه غيره إنّما يكون ثَانِيَاً وَبِالعَرَضِ وَبِالمَجَازِ .
فلن يكون علم الغيب - إذاً - قد تجاوز ذات الله القدسيّة إلى غيره ، إذ ليس من غيريّة في مَن يمتلكون علم الغيب ، لأنّ وجودهم يمثّل اندكاكاً في الله تعالى ، ولأنّ علم غيب الله هو الذي تجلّى فيهم .
وليس بهكذا انتقال لعلم الغيب الخاصّ الذاتيّ من تنافٍ أبداً مع أمر حيازة الصالحين والأطهار والرسل المرضيّين لعلم الغيب . فعلى الرغم من ملاحظة حصول شيء من علم الغيب عند الأنبياء والأئمّة وأولياء الله تعالى ، إلّا أنّ علم الغيب يبقى منحصراً بذات الله القدسيّة .
فعلى هذا ، حين يمنّ الله تعالى بشيء من علمه على مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ، فإنّ أمر : لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا هُوَ ، يبقى ثابتاً وراسخاً في محلّه ، فافهم وتأمّل ، لأنّ إدراك هذه الحقيقة هو عين التوحيد .
وقد جاء على غرار هذه الآيات في التوفّي والخَلْق والرزق والتأثير
معرفة المعاد — صفحة 56
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٥٦