الأعمال التي فعلناها وكنّا نتخيّل دوماً أنّها زالت ، وأنّ فلاناً لم يطّلع على عملنا ، وأنّ أحداً لم يطّلع على هذا العمل ، وأنّه لم يعلم بالفعل الفلانيّ .
نتخيل أنّنا فعلنا العمل الفلانيّ ! فلم يعلم به أحد والحمد للّه .
ونتخيّل أنّنا سبقنا الله تعالى وخلّفناه وراءنا . لكأنّنا لم ندرك ولم نفهم أبداً ، ثمّ جئنا الآن إلى هنا ، فانخزل الغطاء والستار من أمام الأبصار ، ولم يدُر في خَلَدِنا أنّنا ذخرنا ذلك وجمعناه .
ثمّ يتصاعد صراخ الإنسان : ما الخبر يا إلهي ؟ أيّ عالمٍ هذا ؟ أيّ كتابٍ هذا ؟
فَذَلِكَ الكِتَابُ لَنْ يُغَادِرَا * شَيْئاً صَغَائِراً وَلَا كَبَائِرَا « 1 »
ويَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أحَداً ، وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا ، وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً الَّا أحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَداً . « 2 »
إنّ جميع الأعمال التي فعلها الإنسان إنّما فعلها بنفسه ، فهي بعينها حاضرة أمامه ، وآنذاك سيعلم الجميع أنّ الله لم يظلم أحداً ، وأنّ هذه الأعمال بهذه الصور القبيحة الكريهة هي عين الأعمال التي اجترحها الإنسان بيده ، وقدّمها أمامه ، فلقد سعّر جهنّم بيده ، وغرس أشجار الجنّة بيده ، وجعل بيده نسائم الجنّة تهبّ على مشامه ، وسعّر لظى جهنّم وأشعلها بِيَدِهِ وبشرارته .
هامش
( 1 ) - الأبيات المذكورة للحكيم السبزواريّ ، وذلك في « المنظومة » ص 345 و 346 .
( 2 ) - الآيات 47 إلي 49 ، من السورة 18 : الكهف .