وقوّته ، لا غير . ولقد ظهرت إرادة الله ومشيئته من نافذة نفس إبراهيم ، وصار لإبراهيم الاسم الأعظم ، وظهر اسم المحيي في وجوده فعلًا .
لقد تخطّى إبراهيم نفسه خارجاً ، وصار فانياً في اسم الحقّ ، فليس هناك من إبراهيم بعدُ ، بل هناك الله تعالى لا غير .
ثمّ إنّ إبراهيم أمسك مناقير الطيور واحداً بعد آخر فناداها واحداً فواحداً : أيّها الديك ! تعالَ . أيّها الغراب ! تعالَ . أيّها الطاوس ! تعال .
أيّتها الحمامة ! تعالى .
فسبحت « 1 » ذرّات كلّ واحد من هذه الطيور في الهواء من فوق الجبال العشر وجاءت فلصقت بمناقيرها في يد إبراهيم ، فنما اللحم فوق عظامها فوراً ، ونما الريش والأجنحة فوق اللحم ، فصارت الطيور الأربعة كاملة الخلقة مستوية أمام إبراهيم .
وعلى كلّ حال ، فقد كان نداء إبراهيم الملكوتيّ هو الذي أحيا الطيور ، ولقد أحيا إبراهيم باسم الله ؛ واسم الله هو أمره وإذنه تعالى .
ولقد ورد في الرواية أنّ إبراهيم جاء إلى قمّة جبل أبي قبيس حين بنى الكعبة فأذّنَ في الناس بالحجّ ، فأجابه بالتلبية كلّ من سمع نداءه ولو كان في أصلاب الآباء ، فوفّق للحجّ مَن أجابه . فمنهم مَن لبّى مرّة واحدة ، ومنهم مَن لبّى مرّتين فحجّ مرّتين . وهكذا فإنّهم سيوفّقون للحجّ ولزيارة بيت الله الحرام بعدد تلبيتهم . ومن الجليّ أنّ نداء إبراهيم هذا كان ملكوتيّاً هو الآخر ، وإلّا لما سمعه مَن كان في أصلاب الآباء . كما أن التلبيات كانت ملكوتيّة هي الأخرى . ولقد وفّق إلى الحجّ كلّ مَن لبّى وأجاب . وإلّا فإنّ التلبيات الظاهريّة ليس لها تلازم مع التشرّف بالحجّ .
وهكذا فقد اطمأنّ إبراهيم ، أي أنّ ذلك الاطمئنان القلبيّ ! الذي كان ينشده ويصبو إليه قد حصل له ، لأنّه قد فعل ما فعل بيده وإرادته .
هامش
( 1 ) - سبحت : أسرعت . ( المنجد )