شاركنا مئات المرّات في تشييع الجنائز ، وحضرنا مجالس التعزية ، وسمعنا بآذان قلوبنا صوت آهات وأنين ذلك المسكين الذي واروه في قبره أن : ربِّ ارجعون لعلّي أعمل صالحًا .
أفلم يكن ذلك كافياً للتيقّظ والتنبّه ، وللسير في طريق لقاء المحبوب المطلق وشرف زيارة أسمائه الحُسنى ؟
إذا أنْتَ حَمَلْتَ جَنَازَةً فَكُنْ كَأنكَ الْمَحمُولُ وَكَأنكَ سَألْتَ عَنْ رَبِّكَ الرُّجَوعَ إلَى الدُّنْيَا فَفَعَلَ فَانْظُرْ مَاذَا تَسْتَأنِفُ ؟
علّة عدم رجوع أهل البرزخ إلى الدنيا
وعلينا الآن أن نعلم ما هي علّة عدم رجوع أهل البرزخ إلى الدنيا ؟ هل انّهم لا يطلبون العودة حقيقة من الله ؟ وليس الأمر كذلك . وهل والعياذ بالله بخل الله سبحانه عليهم بنزول الرحمة في تلك الحال ؟ وهذا الآخر ليس صحيحاً ، لأنّ الرحمة الواسعة للحقّ تعالى تُفاض على عالم الإمكان بلا شحّة .
فلما ذا ترى لا يستجيب الربّ الرحيم دعاء أهل البرزخ وسؤالهم في الرجوع إلى الدنيا إن كانوا صادقين ، وما دام هناك إمكان لتكاملهم وترقّيهم في الدنيا في هذا الرجوع ؟
الرجوع إلى الدنيا مقرون بالخصائص النفسانيّة والقوى الشهوانيّة
إنّ الإجابة على هذه المسألة هي أنّ هذا الطلب والسؤال بالرغم من صدوره منهم على هيئة تمنٍّ صادق ، إلّا أنه صدر في حال فقدوا فيها القوى المختلفة من الشهوة والغضب والوهم ، واختفى فيهم حقيقةً بسبب فساد البدن واندراس عالم الطبع تصارع القوى المتضادّة والأهواء المختلفة والنزعات إلى الذنب والاعتداء والظلم لمن يرزح تحت سيطرتهم . ولم يبقَ لديهم بطلوع نور التوحيد وظهوره في مرايا جلال وعظمة وكبرياء الحقّ جلّ وعزّ مجالًا لظهور العُجب والنهج الاستكباريّ والنزعات الفرديّة والغرور والتكبّر والتعالي والطموح الزائد ، فهم معترفون