فقالت له الرسل : نحن نسيرك ونعرفك الطريق فتقدموا أمامهم يسيرون بهم ، ثم إن الملك بنى ديارا ومنازل ينزلونها كل منزل أعظم من الذي قبله ، هكذا إلى حضرته ، فإذا نزلوا أول المنازل ورأوا حسنه وبهجته ، أرادوا أن يقيموا فيه ، فتقول لهم الرسل الذين جاءوا من عند الملك الذي تطلبون أمامكم ، فينهضونهم من ذلك المنزل ، فإذا نزلوا الثاني وجدوه أعظم من الأول ، فيريدون أن يقيموا فيه ، فترحلهم الرسل إلى ما بعده ، وهكذا يقطعون بهم المنازل منزلا منزلا ، حتى يوقفوهم على الملك ، فيقولون لهم : ها أنتم وربكم ، فيستريحون من التعب ويتمتعون بالمجالسة والنظر . والمراد بالرسل هنا الأنبياء الذين بعثهم اللّه وخلفاؤهم ممن كان على قدمهم ، ممن جمع بين الحقيقة والشريعة ، وهذه المنازل هي المقامات التي يقطعها المريد انتهى بالمعنى مع الاختصار لطول العهد به . وقد أشار الششتري إلى التنبيه على عدم الوقوف مع هذه المقامات والكرامات فقال :
فلا تلتفت في السير غيرا وكلّ ما * سوى اللّه غير فاتخذ ذكره حصنا
وكلّ مقام لا تقم فيه إنّه * حجاب فجدّ السير واستنجد العونا
ومهما ترى كلّ المراتب تجتلى * عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا
وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب * فلا صورة تجلي ولا طرفة تجنى
واعلم أن هذه الآداب التي ذكرها الشيخ في هذا الباب قد تكون خاصة بالعارف ، وقد يشاركه فيها غيره ، فلذلك يعبر بعبارة واسعة لتكون عامة ؛ لأن المريد قد يترقى إلى مقام وقد بقيت عليه بقية مما قبله فيكملها فيه ، واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر الأدب الخامس : وهو ترك الطلب من حيث هو قال فيما يأتي :
ربما دلهم الأدب على ترك الطلب فقال :