التوفيق ، ثم ذكر حكمة وجوده فقال :
237 - جعله لك عدوّا ليحوشك به إليه .
قلت : لم يخلق اللّه شيئا عبثا قال تعالى :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ
[ آل عمران : 191 ] . فإيجاد الشيطان له حكم : أولها : انحياش عباده إليه ، لأن العبد الضعيف إذا رأى عدوّا يطلبه هرب إلى سيده والتجأ إلى حصنه ، فيكفيه أمره . الثانية : قيام الحجة على عباده ، فإذا خالفوا أمره قال لهم : اتبعتم عدوي وعصيتم أمرى ، قال تعالى
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ الأنعام : 149 ] . الثالثة : كونه منديلا للعار تمسح فيه أوساخ الأقذار ، وكذلك النفس والدنيا .
الرابعة : ظهور مزية المؤمن بمجاهدته ومحاربته ، فهذه حكم في تسليط الشيطان على الإنسان ،
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
[ يوسف : 21 ]
وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
[ التحريم : 2 ] .
حكاية : روي أن الشيطان تعرض لسهل بن عبد اللّه التستري وهو يضحك فقال له سهل :
مما ضحكت يا لعين وقد أبلست ويئست من رحمة اللّه ؟ فقال يا سهل : أنا شيء واللّه تعالى يقول :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأعراف : 156 ] فقال سهل إنه يقول :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
[ الأعراف : 156 ] ، فأين أنت من التقوى ؟ فقال : التقوى صفة العبد ، والرحمة صفة الرب ، وأين الفاني من الباقي ؟ فلم يجد سهل جوابا ، قلت : وقد يجاب بأن هذه الشبهة مبنية على النظر للفرق ، وأما على الجمع فالرحمة وصفه ، والتقوى فعله ، وفعله يقيد وصفه ، والكل منه إليه :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] ، ثم ذكر حكمة ظهور النفس فقال : [ وحرّك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ] .
قلت : إنما حرك الحق تعالى عليك النفس ليدوم إقبالك وتوجهك إليه ، لأن النفس لما غلبت عليها البشرية جرتها إليها ، فهي دائما تهوي بك إلى أرض الشهوات ، وأنت دائما تريد أن تعرج إلى سماء الحقوق والواجبات ، هي تريد أن تركن إلى أصلها من عالم الصلصال والطين ، وأنت تريد أن تردها إلى أصل روحانيتها في أعلى عليين ، هي تريد السكون في عالم الأشباح ، وأنت تريد أن ترقيها إلى عالم الأرواح ، فهي دائما تريد التسفل ، وأنت دائما تريد الترقي ، فهذا معنى