ومثل ذلك كالأمراض والأوجاع والشدائد والأهوال وكل ما يثقل على النفس ويؤلمها كالفقر والذل وأذية الخلق وغير ذلك مما تكرهه النفوس ، فكل ما ينزل بك من هذه الأمور فهي نعم كبيرة ومواهب غزيرة تدل على قوة صدقك إذ بقدر ما يعظم الصدق يعظم التعرف : « أشدّكم بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل « 1 » » ، والصدق متبوع « 2 » . وإذا أراد اللّه أن يطوي مسافة البعد بينه وبين عبده سلط عليه البلاء حتى إذا تخلص وتحرر صلح للحضرة كما تصفي الفضة والذهب بالنار لتصلح لخزانة الملك . وما زالت الشيوخ والعارفون يفرحون بهذه النوازل ويستعدون لها في كسب المواهب كان شيخ شيوخنا سيدي على العمراني رضي اللّه تعالى عنه يسميها ليلة القدر ويقول : كل الخيرة هي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وذلك لأجل ما يجتنيه العبد منها من أعمال القلوب التي الذرة منها أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح .
وقد قلت في ذلك بيتين وهما :
إذا طرقت بابي من الدّهر فاقة * فتحت لها باب المسرّة والبشر
وقلت لها أهلا وسهلا ومرحبا * فوقتك عندي أحظى من ليلة القدر
واعلم أن هذه التعرفات الجلالية هي اختبار من الحق ، ومعيار للناس . وبها تعرف الفضة والذهب من النحاس . فكثير من المدعين يظهرون على ألسنتهم المعرفة واليقين ، فإذا وردت عليهم عواصف رياح الأقدار ألقتهم في مهاوي القنوط والإنكار : من ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان . وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه يقول : العجب كل العجب ممن يطلب معرفة اللّه ويحرص عليها فإذا تعرف له الحق تعالى هرب منه وأنكره .
وقال شيخنا البوزيدي رضي اللّه تعالى عنه : هذه التعرفات الجلالية على
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2139 ) ، والنسائي في الكبرى ( 4 / 352 ) .
( 2 ) أي بالمعرفة ولطائف المنن .