فمن حكمة اللّه تعالى ولطفه وإبراره بوليه أن يحرك عليه ما ركنت إليه نفسه وألفته روحه الأحب فالأحب ، فأول من ينكره أهله وأولاده ، ثم جيرانه وأحبابه ، ثم ينكره العالم بأسره ، فإذا رأت الروح أن هذا العالم أنكرها وضاق عليها رحلت إلى مولاها ، ولم يبق لها تشوف إلى هذا العالم أصلا ، فحينئذ يكمل وصلها ويتحقق فناؤها وبقاؤها ، فلو بقيت النفس على ما هي عليه من السكون تحت ظل الجاه والعز ما رحلت من هذا العالم أصلا ، وكلما قوي على الأولياء الأذى دل على علو مقامهم عند المولى ، فإنما أجرى الحق سبحانه الأذى على أيدي الخلق إليك ، إذ هو المجري والمنشئ ، فلا فاعل غيره كي لا تكون ساكنا بقلبك وروحك إليهم ، فيعوقك ذلك عن العروج إلى الملكوت . أراد الحق تعالى أن يزعجك عن كل شيء من هذا العالم حتى لا تركن إلى شيء ولا يشغلك عن شهوده شيء ، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه ، أو تحبه وتحب معه سواه ، أبت المحبة أن تشهد غير محبوبها ، فإذا تمكنت المحبة وكمل الشهود ردهم إن شاء إلى عباده مرشدين إليهم باللّه . قال في لطائف المنن : اعلم أن أولياء اللّه تعالى حكمهم في بدايتهم أن يسلط الخلق عليهم ، ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا ، وكي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد ، أو يميلوا إليهم باستناد ، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه ، ومن أحسن إليك فقد استرقك وجود امتنانه ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تقدروا فادعوا له « 1 » » ، كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق ، ويتعلق بالملك الحق ، ثم قال : وقال الشيخ أبو الحسن : اهرب من خير الناس أكثر من أن تهرب من شرهم ، فإن خيرهم يصيبك في قلبك وشرهم يصيبك في بدنك ، ولأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك ، ولعدو تصل به إلى اللّه خير من حبيب يقطعك عن اللّه ، وعدّ إقبالهم عليك ليلا وإدبارهم عنك نهارا ، ألا تراهم إذا أقبلوا فتنوا . قال : وتسليط الخلق على أولياء اللّه في مبدأ طريقهم سنة اللّه في أحبائه وأصفيائه . قال الشيخ أبو الحسن في حزبه : ( اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ، وحكمت عليهم بالفقد حتى
هامش
( 1 ) رواه أبو داود ( 2 / 128 ) ، والنسائي ( 5 / 82 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 68 ) ، بلفظ : من صنع .