53 - أورد عليك الوارد ليتسلّمك من يد الأغيار وليحرّرك من رقّ الآثار .
أي إنما أورد عليك وارد الإقبال ليؤنسك بذكر الكبير المتعال ، فإذا اشتغلت بذكره وغبت عن غيره تسلمك : أي أنقذك من يد لصوص الأغيار بعد أن شدوا أوثاقك بحبل هواك ، وسجنوك في سجن حظوظك ومناك ، وليحررك ويعتقك أيضا من رق الآثار ، بعد أن ملكتك بما أظهرته لك من زخرف الاغترار ، فإذا تسلمت من يد الأغيار أفضيت إلى شهود الأنوار ، وإذا تحررت من رق الآثار ترقيت إلى شهود الأسرار ، فالأنوار أنوار الصفات ، والأسرار أسرار الذات ، فالأنوار لأهل الفناء في الصفات ، والأسرار لأهل الفناء في الذات . ثم أشار إلى القسم الثالث ، وهو وارد الوصال فقال :
54 - أورد عليك الوارد ، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك .
أي إنما أورد عليك وارد الوصال بعد أن أهبّ عليك نفحات الإقبال ، ليخرجك من سجن رؤية وجودك إلى فضاء : أي اتساع شهودك لربك ، فرؤيتك وجودك مانعة لك من شهود ربك ، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه .
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب ، وأنشد الجنيد :
وجودي أن أغيب عن الوجود * بما يبدو عليّ من الشّهود
فالفناء عن النفس وزوالها أصعب من الفناء عن الكون وهدمه ، فمهما زالت النفس وهدمت انهدم الكون ، ولم يبق له أثر ، وقد يهدم الكون وتبقى في النفس بقية فلذلك قدم الشيخ رق الأكوان على سجن وجود الإنسان ، واللّه تعالى أعلم ، ثم فسر تلك الواردات فقال :