ولا تسعوا في عمران دار قد قضى اللّه خرابها ولا تواصلوها ، وقد أراد اللّه منكم اجتنابها ، فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين « 1 » » . وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : لست « 2 » أستبشع مما يرد علي من العالم لأني أصلت أصلا ، وهو أن الدار دار هم وغم وبلاء وفتنة ، وأن العالم كله شر ، ومن حكمه أنه يتلقاني بكل ما أكره ، فإن تلقاني بما أحب فهو فضل ، وإلا فالأصل هو الأول ، وفي ذلك قيل :
يمثل ذو اللب في لبّه * شدائده قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعه * لما كان في نفسه مثلا
رأى الأمر يفضي إلى آخر * فصير آخره أولا
وذو الجهل يأمن أيامه * وينسى مصارع من قد خلا
فإن دهمته صروف الزما * ن ببعض مصائبه أعولا
ولو قدم الحزم من نفسه * لعلمه الصبر عند البلا
قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري : يا أحمد جوع قليل ، وعري قليل ، وذلّ قليل ، وصبر قليل ، وقد انقضت عنك أيام الدنيا ، انتهى .
فلا تستغرب أيها العارف ما يقع بك أو لغيرك من الأكدار ما دمت مقيما في هذه الدار ، لأنها ما برز فيها من التجليات الجلالية ، إلا ما هو مستحق أن تتصف به وواجب أن تنعت به ، فلا تستغرب شيئا ولا تتعجب من شيء ، بل الواجب عليك أن تعرف اللّه في الجلال والجمال والحلوة والمرة ، وأما إن كنت لا تعرفه إلا في الجمال فهذا هو مقام العوام ، والمعرفة في الجلال هو السكون والأدب والرضا والتسليم ، فينبغي للفقير أن يكون كعشب السمار إذا جاءت حملة الوادي حنى رأسه ، وإذا ذهبت رفع رأسه ، وكما لا تستغرب وقوع الأكدار بحيث لا تحزن ، ولا تخف ولا تجزع ، كذلك لا تتعجب من وقوع المسار
هامش
( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 5 / 281 ) .
( 2 ) الذي في المطبوع : ليس .