الباب الخامس في أحزابه ودعواته وأوراده وأذكاره وما كان يعلمه لتلامذته في المهمات
اعلم أن حقيقة الحزب هو الورد الوارد المعمول به تعبدا ونحوه ، وهو في الاصطلاح مجموع أذكار وأدعية وتوجهات ، وضعت للذكر والتذكر والتعوذ من الشر وطلب الخير ، استنتاج المعارف وحصول العلم مع جمع القلب على اللّه ، ولم تكن في الصدر الأول ولا من بعدهم بقليل ، لكن جرت على أيدي المشايخ الصوفية وصالحي الأمة بحكم التصرف والنظر السديد ، إشغالا للطالبين ، وإعانة للمريدين ، وتقوية للمحبين ، وحرمة للمنتسبين ، وترقية للمتوجهين من العباد والزهاد ، وأهل الطاعة والسداد ، فتحا للباب حتى يدخله عوام المؤمنين ، لما رأوا قصر الهمم ، وضعف العزائم ، وبعد النيات ، ونقص القرائح ، واستيلاء الغفلة ، ومرض القلوب ، وقلة اليقين : وأحزاب أهل الكمال ممزوجة بأحوالهم مؤيدة بعلوم مسددة بإلهامهم ، مصحوبة بكراماتهم ، حتى قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه في شأن حزبه الكبير :
من قرأه كان له ما لنا وعليه ما علينا ، وقد تقدم بيان ذلك .
واعلم أن أحزاب الشيخ رضي اللّه عنه جامعة بين إفادة العلم وآداب التوحيد وتعريف الطريقة وتلويح الحقيقة ، وذكر جلال اللّه تعالى وعظمته وكبريائه ، وذكر حقارة النفس وخستها ، والتنبيه على خدعها وغوايتها ، والإشارة لوصف الدنيا والخلق ، وطريق الفرار من ذلك ووجه حصوله ، والتذكر بالذنوب والعيوب ، والتنصل منها مع الدلالة على خاص التوحيد وخالصه ، واتباع الشرع ومطالبه ، فهي تعليم في قالب التوجه ، وتوجه في قالب التعليم ، من نظرها من حيث العلم وجده كامنا فيها ، ومن نظرها من حيث العمل فهي عينه ومن نظرها من حيث الحال وجده كامنا فيها ، وقد شهد شاهدها بذلك عند الخاص والعام ، فلا يسمع أحد من كلامها شيئا إلا وجد له أثرا في نفسه ولا يقرؤها إلا كان مثل ذلك ، ما لم يكن مشغولا ببلوى ؛ أو مشغوفا بدنيا ، أو مصروفا بدعوى ، أعاذنا اللّه تعالى من البلاء .