تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦

فصل في الفرق بين الأحوال الربانية والطبيعية والشيطانية

لا بد من معرفتها لمن أراد الاشتغال بالذكر لطروها عليه حالة الذكر وإلا وقع في الغلط . قال صاحب التدبيرات الإلهية « 1 » : المدعي السماع له حالات ثلاث : فالحالة الأولى نقتصر على شيء منها ، وهو أن الإنسان إذا كان صاحب صدق ، فإذا ورد عليه شيء أو ألقى إليه شيء فتشتغل الروح معه ، وتنحدر الجوارح ، وينحرف الطبع ، ويتغير المزاج ، فإن الجسم اشتغل عنه حافظه بما يلقى إليه ، فإذا انصرف عنه النور الملكي سرى عنه وقد عرق جبينه واحمر وجهه وقام كأنه نشط من عقال ، وهي المحادثة ، ولأولياء اللّه في هذا مشرب شهي ، ومتى اشتد الحال وغاب عن الوجود الحسي ، فإن حصل له في تلك الغيبة علم يعقله هناك ويعقله إذا رجع إلى حسه ، ويعبر عنه على قدر ما أعطاه اللّه تعالى من العبارة ، فذلك هو الحال الإلهي ، ويملأ القلب عند الإفاقة سرور ، وربما غزته إبرة فذلك حال صحيح . والحالة الثانية إن غلب ثم رد ولم يجد شيئا إلا أنه أخذ عنه بقبضة قبض عليه لم تتم له فائدة ، ولكن غاب عن حسه ؛ فهذا حال من المزاج لما حمي القلب بالذكر أو بالتخيل صعد منه البخار من التحريف الكثير إلى الدماغ ، فحجب العقل ، ومنع الروح الحيواني من السريان ، ورمى بصاحبه كالمصروع فهذا حال صحيح ، ولكن من المزاج الطبيعي ليس له فائدة ، ولهذا إذا سألته يقول لك رأيت كأني كسيت برنسا أسود أو سحابة مرت على عيني فعميت ، وهو ذلك البخار الذي ذكرناه . وأما الحالة الثالثة الكذاب هو الذي يعقل أهل مجلسه في السماع أو في حال خلوته أيضا فهذا صاحب وسوسة وحديث نفس ، قد سخر به الشيطان ؛ فكل ما يلقى إليه يتخيل أنها علوم وهي سموم ، فلا يعول على كل ما يخاطب به في هذه الحالة ولو صادف الصحة فيها . قال السادة الفقهاء : من صلى جاهلا بكيفية الوضوء والصلاة لا تصح صلاته وإن صادف الصحة ، فكما أن هذه المسألة أصل عظيم عند السادة العلماء فكذلك هذه عند السادة الصوفية نفعنا اللّه بهم ، فلا يعول على ما يخاطب به هذا الجاهل بطريق الحق ، فإنه لا يحسن أن يفرق بين الحق والباطل ، فكيف يعول على قوله ، فإن هذه حالة شيطانية وإنه ليس في قوة الشيطان أن يغيبك عن حسك ثم
هامش
( 1 ) الشيخ الأكبر محيي الدين محمد بن علي بن عربي الحاتمي رحمه اللّه تعالى .