فإذا داوم على ما ذكرنا من مفتتحات الكلمة الطيبة ومختتما من رعاية معناها حصل له من فوائدها ونتائجها ما لا يمكن تحريره بالبنان ولا تقريره باللسان : منها خلو الباطن من الميل إلى الدنيا الفانية ، وفراغ القلب من الثقة بها ، وتلك نعمة عظمى وشراب عليّ أسنى . ومنها التوكل على اللّه اعتمادا بضمان اللّه فيكون ساكنا عن الاضطراب عند تعذر الأسباب ثقة بمسبب الأسباب ؛ وهذه نعمة جليلة ومنّة جسيمة .
ومنها إغناء القلب لسلامته من فتن الأسباب ، فلا يعترض على أحكام بلو ولا ولعل .
ومنها حصول التقوى ، وهو الاجتناب عما ليس للّه تعالى . ومنها المحبة ، وهو أعظم المقامات وأهم المهمات . وطريق تحصيلها السلوك وكثرة الذكر مع الشروط والآداب دائما ، مستقبلا مع الحضور كما مرّ بيانه اثنا عشر ألفا كل يوم في ثلاثين ألفا ثم سبعين ألفا حتى تسقط الحركة اللسانية ويجري دون اختيار ، ثم يرجع إلى القلب ثم تنمحق الحروف ويبقى المعنى ، ثم يرتفع العدد ويصير حالة مستدامة ، وحينئذ تحدث محبة اللّه في قلب الذاكر فلا ينساه ثم يغيب عن جميع الأشياء ظاهرا وباطنا حتى عن النفس وصفاتها في المذكور ، وهو القرب ، ثم يغيب عن الذكر أيضا في شهود المذكور وهو الفناء ، ثم يحدث الصحو وهو البقاء ، ويشاهد لظهور النور والغفلة عن الشواغل ويصير من ملوك الدين ، والحمد للّه رب العالمين ا ه .
وينبغي أيضا أن يكثر من الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم لما في ذلك من التقرب إليه صلى اللّه عليه وسلم والتحبب له فيراه مناما ، ويحصل له منه الإرشاد والهداية ، ويحصل بذلك تسهيل الطريق لأنه صلى اللّه عليه وسلم الواسطة بين الحق والخلق ، وهو باب اللّه الأعظم ومن أحب صيغ الصلاة عليه صلاة التشهد ، ويكفي أن يقال : اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . وذكر بعض المشايخ أن من قال كل يوم خمسمائة مرة : اللهم صلّ على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم قامت له مقام الشيخ الواصل في التسليك ا ه .
واعلم أن ما تقدم في الآداب من طهارة المحل والوضوء والصلاة قبل الذكر ، وكذلك الأذكار التي قبله وبعده ليس شرطا في الذكر ، وإنما ذلك على وجه الكمال ، فلا ينبغي للشخص أن يترك الذكر توقفا على وجود ذلك ، بل متى توجهت همته للذكر وأقبل قلبه عليه فليذكر على أي وجه كان ، إما على صورة ما تقدم وهو الأكمل أو بدونه ، لكن لا بد من الاستحضار .
واعلم أن الحاصل مما تقدم ، ترك جميع المنهيات ، وفعل الواجبات ، وما استطاع من المستحبات ، ومداومة الذكر مع استحضار معناه ، فهذا مبدأ الطريق .
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية — صفحة 130
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٣٠