وقال بعضهم لمن استوصاه : احذر أن يرى في قلبك غيره فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه ، وللّه ما أحسن قول علي كرّم اللّه وجهه لبشر الحافي حين رآه في المنام ، فقال بشر : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء طلبا للثواب ، فقال له علي كرّم اللّه وجهه : وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة برب الأرباب ، وفي معناه قيل :
اضرع إلى اللّه لا تضرع إلى الناس * واقنع بعز فإن العز في اليأس
واستغن عن كل ذي قرب وذي رحم * إن الغني من استغنى عن الناس
التاسع : ترك التكلف في الحركات ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « أنا وأتقياء أمتي برآء من التكلف » « 1 » وقال مولانا جلّت قدرته تعليما لنا بواسطة نبيه وتبرئة له
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
( 86 ) [ ص : 86 ] فناهيك من خطة أمر بها سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم بالتبري منها ، وأصل التكلف حب المراضاة ، ومنه تقع الأيمان الفاجرة والرياء والسمعة والمصانعة وغير ذلك
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ
[ التّوبة : 62 ] فعليكم بالتوسط في كل شيء فإنه النجاة من مذام الأمور بالإفراط والتفريط .
ومن كل كلام الحكماء : لا تتزين تزين العروس ، ولا تتبذل تبذل العبيد . وقالوا أيضا : لا تكن حنظلا فترفض ، ولا سكرا فتشرب ، وفي معناه قيل :
كن حكيما ودع فلان ابن من كان * وكن حليما واجمع إلى الحلم علما
لا تكن سكرا فيأكلك النا * س ولا حنظلا تذاق فترمى
العاشر : عمارة القلب بما يحميه بدلا من نقيضه ، وهو أربعة أسباب تقابلها أربعة :
أولها : ذكر غربتك في الدنيا ، وعملك على ذلك بعد الانتصاف لنفسك ، والانتصاف منها ، والاستسلام لما يجري من النحس وغيره ، ويقابله شغل القلب بلذاتها ، ونبل الأغراض فيها مع قطع النظر عما سوى ذلك حتى يقول دعني أصل غرضي ودعني أموت غدا والعياذ باللّه تعالى .
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 621 ) ، وأورده أبو السعادات الجزري في النهاية في غريب الأثر .