والمهلكين لهم حيث ورد : « أهلك الناس الدينار والدرهم « 1 » » بأن يترك الالتفات إليهما بحيث لا يخطران لا هما ولا وجودهما بباله ، بل الزاهد الكامل الذي زهد فيما سوى الجبار من الدنيا ، والآخرة وما يتعلق بهما حتى العلوم والمعارف بأن يشهد الحق وأسمائه وصفاته ، بل لا يشهد إلا الذات بدون اعتبار الأسماء والصفات وهذا هو الطي الحقيقي ، ومن هنا يقال : المسافة إلى خطوتين ، وإليه يشير قوله عليه صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا خطوة مؤمن « 2 » » أي :
يتخطاها بالزهد فافهم .
وقال بشر الحافي رضي اللّه عنه : « من دخل في طريقنا يومين فقد حاز ملك الدارين » .
فيدلّ هذا على أن المسافة يومان في اليوم الأول يترك الدّنيا ، وفي الثاني يترك الآخرة ، وفي اليوم الثالث واصل ؛ لأنه يكون لربّه حقا بلا علل ، وأمّا طي الأيام بلا طعام وشراب ، وقطع الأرض في أقرب مدة بلا مشي ، وتعب فهو رسمي لا اعتداد به .
وقال بعض : ليس الشأن أن تطوى لك الأرض فإذا أنت حيث مشيت من البلاد ، بل الشأن أن تطوى عنك أوصاف نفسك فإذا أنت عند ربك ، وقال بعض : من مكنه اللّه على مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء والهواء ، ويناسبه قول بعض : لا تتعجبوا ممن لم يكن في جيبه شيء فيخرج منه ما يريد ، ولكن تعجبوا ممن يضع في شيء فلم يتغير بفقدانه عند إدخال يده في جيبه ، وعند هذه الطائفة كل ما يشغلك عن مولاك فهو ديناك تحجب به عن الحق تعالى ، ولذا نفي الشيخ قدّس سرّه اسم الزاهد الأعلى من زهد فيما سواه تعالى ، وهو الغاية العظمى والمطلب الأقصى ؛ إذ فيه غاية الرّضا .
11 - لا ينال غاية رضاه من في قلبه شيء سواه
.
( ولا ينال غاية رضاه من في قلبه شيء سواه ) أي : لا يصل إلى غاية رضاء الحق تعالى وكماله الذي في قلبه شيء صفته سوى الحق تعالى من كل ما يمنعك عنه تعالى ؛ لأنه تعالى وهبك نعمة الوجود وما وضع فيك إلا قلبا واحدا :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ
[ الأحزاب : 4 ] ، وذلك حتى تكون من الغير معرضا ، وعليه مقبلا ، وفي محبته خالصا صادقا ؛
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في التفسير ( 19 / 129 ) .
( 2 ) لم أقف عليه .