وقال بعض آخر : أحرص على أن أصبح مفوضا مستسلما لعله ينظر إلي ، ويرحم لي ، فعلم بما تقرر أنه ينبغي لك أن تخاف من كل ما تنويه وتعمله بقصدك .
( ولا تخف مما أنت مقهور فيه ولو كان معصية ) أي : لا ينبغي لك الخوف من كلّ شيء أنت مقهور في ذلك الشيء ولو كان ذلك الشيء معصية لعدم قصدك فيه وكونك مقهورا ، والمقهور لا يسأل عما يقهر عليه ، ومن هنا قيل : قضى عليك ربك بالذنب فكان سببا للوصول لك كما ورد في الحديث : « ربّ ذنب أدخل صاحبه الجنة « 1 » » ، وهو الذنب الذي صدر منه حالة كونه مقهورا فيه ، وقيل : معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزّا واستكبارا . ، وذلك ؛ لأن الطاعة وإن كانت في ذاتها خيرا والمعصية في ذاتها شرا ، لكن قد يصير بالعوارض الخير شرّا والشر خيرا مثلا الذنب شرّ ، لكن إذا حصل منه الانكسار والتوبة إلى اللّه والتشمير لخدمة اللّه يكون خيرا له ، والطاعة خير لكن إذا اعتمد عليها ويستصعر من لم يعملها ويطالب العوض عليها يكون شرّا له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
[ الحج : 61 ] أي : المعصية في الطاعة والطاعة في المعصية ، كما قاله الشيخ أبو العباس المرسي رحمه اللّه تعالى ، وقال أبو مدين رضي اللّه عنه : انكسار العاصي خير من صولة المطيع فهذا كله من رؤية العمل ، والنية فيه بخلاف ما إذا نسي العمل ولا يرى لنفسه قصد أو نية ؛ لأنه حقا لا يكون فاعلا لما هو طالبه ، بل لما هو مطلوب منه ، ومن هنا قيل : ما توقف مطلب أنت طالبه بربه ، ولا تيسر مطلوب أنت طالبه بنفسك ، وقيل أيضا : ما أدخلك اللّه فيه تولى إعانتك عليه ، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه ، وإلى هذا إشارة قوله تعالى :
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ
[ الإسراء : 80 ] أي : لا بنفسي
وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
[ الإسراء : 80 ] أي : لا بنفسي ، والمقصود ترك النية في الأعمال مع الشهوة ؛ لأن الإرادة والقصد تتعلق بالشيء من حيث الشهوة ومن غيرها .
وقال الشيخ رضي اللّه عنه في الباب الثامن والعشرين وثلاثمائة : « فالسعداء أخذوا الأعمال بالإرادة والقصد وأخذوا بالشهوة ، فمن رزق الشهوة في حال العمل فالتذ بالعمل التذاذه بنتيجته فقد عجل نعيمه له ، ومن رزق الإرادة في حال العمل من غير شهوة فهو صاحب
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .