مستكرهة جدا ، ولذا قيل : الحقيقة بلا شريعة باطلة ، والشريعة من غير الحقيقة عاطلة ؛ لأنه لا تكون هي على أصلها حقا ، وهما من غير الطريقة ناقصة لعدم حسنهما بدونها .
5 - الشريعة بداية ، والطريقة توسّط ، والحقيقة غاية
.
ومن وجه آخر أيضا ( الشريعة ) بالنسبة إلى غير صاحب الدائرة ، وهو السالك والمبتدئ بداية أمره ؛ لأنها عمل مع علم ، و ( الطريقة توسط ) ؛ لأنها تحسين الأعمال وتزيينها ، و ( الحقيقة غاية ) لهما ؛ لأن فائدة الشريعة والطريقة هي الحقيقة التي هي المقام الأعلى لا يصل إليها إلا صاحب الاستعداد الكامل ، ولا يوصل إليها إلا الحق تعالى أو صاحب نور التوفيق والهداية ، ومالك الألطاف الأزلية والعناية ، فالقائم بالشريعة مبتدئ ، والقائم بالطريقة متوسط ، والقائم بالحقيقة غاية ونهاية ، وعلامة الأول الصبر وحبس النفس على الطاعات ، وعلامة الثاني الشكر والرضا ، وعلامة الثالث أن يكون بمراد اللّه تعالى ولعل هذا الوجه أشمل الوجوه .
6 - الشريعة اجتهاد ، والطريقة انقياد ، والحقيقة اعتماد
.
ومن الوجهات المعتبرة في هذا الباب ما ذكره قدس سرّه بقوله : ( الشريعة اجتهاد ) ؛ لأنها من الاجتهاد بمعنى الجهد والسعي ، فهي علم وعمل .
( والطريقة انقياد ) النفس لأحكام الشريعة ، وفي الشريعة لا تكون هي منقادة ، ( والحقيقة اعتماد ) على من له الاعتماد وله العباد ، فإذا اجتهد في تحصل المطلوب فهو شريعة ، وإذا انقاد لأوامره فهو طريقة .
وإذا اعتمد على المطلوب فهو حقيقة ، فصاحب الشريعة مجتهد ؛ لأنه يرى أن الجزاء مترتب على الأعمال ، وصاحب الطريقة منقاد لأوامر الحقّ ، ومستلم لوجهه فتعبه وكلفته أقل ؛ لأن العادة تستلزم الألفة ومن الألفة ترتفع الكلفة ، وصاحب الحقيقة معتمد على ربه ليس له عمل ولا تعب ولا انقياد ؛ لأنه من أهل الاعتماد ؛ لأن من اعتمد على شيء يكون قيامه ، وجميع حركاته ، وسكناته بذلك الشيء لا بنفسه ، فهو صاحب منة يرى الأعمال منة من اللّه عليه بإظهارها فيه وجعله محلا لها ، ولهذا طلب العوض والجزاء منه تعالى منتف عنه ، فما لم يكن في العبد اجتهاد لا يوصف بالانقياد ، فلا يوجد فيه الاعتماد .