ويدلّ على هذا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك « 1 » » .
فعلّق صلى اللّه عليه وسلم الرؤية بعدم الكون الذي هو عبارة عن العدم والفناء ، وإن لم يساعد المعنى بحسب القواعد العربية ما بعده .
لأن ( لم تكن ) فعل شرط ، و ( تراه ) خبر تكن .
وقوله : ( فإنه يراك ) جزاء الشرط لا إن لم تكن فعل الشرط ، .
وتراه جزائه ، ولا يكون التعليق المذكور صحيحا إلا بهذا التقدير ، لكن أهل الإشارة يشيرون في الأحاديث والآيات إلى معنى لا يساعد عليه تمامها كما هنا ، وكما في قوله تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] على قراءة الرفع بمعنى نحن كل شيء ، وكل شيء صورة تجلياتنا وظهوراتنا والصورة عين ذي الصورة بوجه ، وإن كانت غيره بوجه ، وقوله : ( خلقناه بقدر ) لا يساعد على هذا المعنى ، فلا يعرف مرادهم إلا من يعرف بالإشارة ، ولا يحتاج إلى العبارة ، وقال اللّه في الحديث القدسي : « تجوع تراني ، تجرد تصل « 2 » » أي : إلي والجوع موت اختياري وإرادي وهو المشار إليه بحديث : « موتوا قبل أن تموتوا « 3 » » ولهم موتات أخرى غير الجوع من الصبر على الشدائد ، ومخالفة النفس والقناعة كل منها يفيد الآخر .
وقد ذكر الشيخ أنواع الموتات بعضها صراحة ، وبعضها بالإشارة بقوله قدّس سرّه فيما يأتي بعد هذا القول : ( وإلا فالأعمال الصالحة ترديه ) أي : وإن لم يكن بحيث لم يكن بأن كان له وجود والتفات إلى السوى ، فالأعمال الصالحة تجعل العبد الموجود الناظر إلى أعماله الطالب لثوابها رديا مطرودا من الحضرة ؛ لأنه تعالى طهور لا يحب إلا الطهور ،
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
( 2 ) تقدم تخريجه .
( 3 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 166 ) .