وهذا غير التوحيد الذي أمر به العبد فإنه مركّب مخلوق ، ولا يصدر عن المخلوق إلا المخلوق وذات كانت منزهة في نفس الأمر لا بتنزيه المنزه ، وهو كان بهذا الوصف ولا أنت ، والآن كما كان فتوحيده الذي وحّد به ذاته المعرى عن الغير ، والواسطة الذي هو عبارة عن علمه بنفسه لنفسه في نفسه لا يعلم بعلم ولا دليل ولا برهان ، ولا يزاحمه عقل ولا فهم ، ولا إدراك ولا إشارة ، فسبحان اللّه عما يصفون ، فالعارف بمعرفة نفسه من غير تعريف اللّه له إياه ، ويزعم أنه عارف باللّه وتوحيده ، فهو مشرك باللّه لإثباته نفسه مع اللّه وهو غير ومعدوم مع اللّه في توحيده إيّاه ؛ لأن ميدان الوحدة ماحية لما سوى اللّه ، فالعارف بعرفانه مشرك باللّه ، ولا شعور له به ، ويظن أنه موحد وليس بموحد ، فهو كمن دخل على السلطان فهو في قصر عظيم فقال : وعزتك ما في القصر غيرك ولم يدر أن وجوده يكذبه .
فاجتهد غاية الاجتهاد قبل يوم الميعاد في خلاصك عن الشرك ، وتدبر من أي وجهة تقع فيه ولا تخلص أنت من الشرك ، ولا تعرف التوحيد المذكور إلا إذا لم تر نفسا ، ولا وجودا ، ولا صفة ، ولا ذاتا إلا بنفسه وجوده وصفته وذاته ، ولا ترى هذه الرؤية فليس في الدارين ولا يرى فيهما إلا هو ، والغير عينه بلا غيرية الغير ، فهو الذي قال بعض الأكابر :
ذات لا ترى عين ما يرى ، فبطونها كنز لا يرى ، وظهورها عين ما يرى فلا يعرف اللّه إلا اللّه ؛ لأن ذاته منزهة عن معرفة العارف لكونها غير معلومة لسواها من جميع الوجوه قال اللّه تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 28 ] .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « تفكروا في آلاء اللّه ، ولا تتفكروا في ذات اللّه « 1 » » .
وقال أيضا في جواب من سأل عن رؤية الرب :
« ويحك نورا أني أراه ، وإني للعبد « 2 » » أي : كيف أرى ؟ .
وإن كان بكسر الهمزة فمعناه ( إني أراه ) باللّه لا بنفسي ، فهذا لا ينافي ما مرّ فهو تعالى
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ( 1 / 136 ) ، ذكره المناوي في فيض القدير ( 3 / 263 ) .
( 2 ) رواه مسلم في الصحيح ( 1 / 159 ) .