قال اللّه تعالى على ألسنة الرّسل :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ البقرة : 43 ] .
اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا
[ آل عمران : 200 ] ،
وَجاهَدُوا
[ البقرة : 218 ] .
فإن وجدت الإرادة الإلهية مع هذا يقع المأمور بلا تخلق ، وإلا فلا لتوقف الامتثال على الإرادات .
ولهذا ترى الأمر الإلهي يأتي إلى الخلق ، فمنهم عامل ، ومنهم متخلف عن العمل ، فعلم من هذا أن الأمر الإلهي قد يكون بما يوافق الإرادة ، وقد يكون بما يخالفها ، فالأول يقع في الحال ، والمأمور المتمثل يوصف بالطاعة ، ويسمّى مطيعا ، والثاني لا يقع ، والمأمور يوصف بالمخالفة والمعصية ، ويسمّى مخالفا وعاصيا ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« شيبتني هود وأخواتها أي : أظهرت الشيبة في لحيتي سورة هود ، وأخواتها لما تحوي عليه من قوله : ( فاستقم كما أمرت ) « 1 » » .
والذي شيبه صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى في سورة هود :
كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] ، فإنه لا يدري دائما أن الأمر الإلهي هل هو بما يوافق الإرادة فيقع المأمور فيتصف بالطاعة ، أو بما يخالف الإرادة ، فلا يقع المأمور به ، فيتصف بالمعصية ، قاله الشيخ الأكبر في فصوصه .
قال الشيخ الجيلي قدّس اللّه سرّه : « إن غاية المطلوب في سر السلوب ، ومواهب التجديد في حقائق التجريد ، والظفر بسر الأحد في نفي العدد » .
وقال : « فمن ترك ما ظهر ظفر بسر القدر ، ومن ملأ النظر من جمال مظاهر الصور عمى عن سر توحد في باطن عين الخير ، فمن تجرد ، ومن تفرد توحد ، ومن تكثر تعدد ، ومن تعدد تقيّد ، ومن تقيد تلذذ ، ومن تلذذ تدبدب ، ومن تدبدب تعذب ، ومن خرج عن كلّ ذلك شهد ما هنالك ، ومن لم يكن كذلك أسقط في مهاوي المهالك » انتهى .
فخذلك أيها السالك من هو نتيجة الباطن والظاهر ، ولا تبدل الطول بالقاصر ، ولا تبع بالذر الدر الفاخر ، واطلب النور الباهر بأمر الملك القاهر ، وكن من البسائط ، واترك
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في السنن الكبرى ( 5 / 402 ) ، وأحمد في الزهد ( 1 / 9 ) بنحوه ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 374 ) .