ومنها أنه يظهر للمريد في الطريق ما يشير إلى الزيادة أو النقصان وغير ذلك من صفاء القلب وكدرته ومعرفة الصفات الذميمة والحميدة ، وما علامة الحجب الدنياوية ، والأخروية ، والأحوال الشيطانية ، والنفسانية ، والرحمانية ، وسائر المعاني الحاصلة من الوقائع التي لا تعد ولا تحصى ، والمبتدئ لا معرفة له بها ؛ لأنها لسان الغيب لا يعرفه إلا أهل الغيب ، فيحتاج إلى من يكون مؤيدا بتأيدات إلهية ، ومعلما بتأويلات غيبية حتى لا يكون من تلك الإشارات والمعارف محروما فيستحيل له معرفة المقامات .
ومنها أن السلوك في الطريق لا يكون إلا بواسطة الذكر ، والذكر لا يفيد إفادة تامة إلا إذا أخذه من تلقين مرشد كامل .
ومنها أن السالك إذا سلك بنفسه لا يقدر على قطع مقام واحد بسنين متعددة ؛ لأن سلوكه أضعف من سلوك النمل ، وكل عقبة مسافة سبعين ألف عام ، وأيضا يحتاج في بعض المقامات إلى الطيران ولا يمكن له ؛ لأنه على مثال البيضة وهي لا تطير إلا إذا صار طيرا ، ولا تصير طيرا إلا بتصرف طير آخر ، وهو الشيخ الكامل المكمّل .
حكي عن أبي بكر الخراساني من ولاية الجام وكامن مجاذيب الحق تعالى ، ولكن ماله شيخ معين أنه قال :
هامش
- أول المنكرين لها وأشد الناس اعتراضا عليها ، فإذن تلك العقائد المعترض عليها ليس لها وجود إلا في عقل المنكر ، فإنه اعترض على ما فهمه هو ، لا على حقيقة المراد باللفظ .
فإذن الخلاف ليس في المعاني ، وإنما هو خلاف نشأ عن استخدام تلك الألفاظ ، ودليلي في ذلك ما ذكرته لك من أقوال هؤلاء الأئمة ، فخذ تلك القواعد واحكم عليهم بمقتضى قولهم تجدهم جميعا أقرب الخلق إلى اللّه وإلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم وأعرفهم باللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم .
فإن قلت : فكيف العمل في تلك الأقوال الكثيرة المشحونة باستخدام تلك الألفاظ الموهمة ؟ !
أقول لك : بعد ما تقدم ذكره من القول إن لم تستطع قبول تلك الأقوال ولم تفهم المعنى الموافق للشرع الذي هو يقينا مراد القائل فتأولها بما يوافق الشرع ، فإن الكتب الفقهية والشرعية مليئة بالتعارض والترجيحات وتأويل الأقوال والأدلة المتعارضة ، فقس على ذلك واللّه هو الموفّق .
واعلم يا أخي أني لم أذكر لك جميع كلام القوم في نفي الحلول والاتحاد ووحدة الوجود المتوهمة وإنما ذكرت لك طرفا منه ، فإنهم نبّهوا عليه كثيرا فاختر يا أخي لنفسك ،وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الإنسان : 30 ] ، وو اللّه لا ينسب القول بالحلول أو غيره من القبائح إلى القوم بعد ما ذكرناه من كلام إلا معاند مكابر ، فحمل كلامهم على مرادهم لا غير ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل ، والسلام .