هامش
- والإحسان : أوّل معارج الروح لخاصة المقرّبين ، وقد فسّر ذلك صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المشهور حيث قال في الأول : « الإسلام أن تشهد أنّ لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا » .
وفي الثاني : « إنّ تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وبالقدر كلّه خيره وشرّه وحلوه ومرّه » .
وفي الثالث : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » ، فاستفيد منه أن الإسلام : قيام البدن بوظائف الأحكام ، والإيمان : قيام القلب بوظائف الاستسلام ، والإحسان : قيام الروح بمشاهدة العلّام .
ألا تراه يقول : ( الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ) ، فتكون قائما بوظائف العبودية مع شهودك إيّاه ، ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) فتكون قائما بوظائف العبودية مع شهوده إياك ، فأنت في الأول مراد ، وفي الثاني مريد ، وشتّان ما بينهما ؛ فإن إرادتك حجاب .
قال داود عليه السلام : « يا ربّ إنّي أطلبك . قال : يا داود أنت من أوّل قدم فارقتني . قال : يا ربّ وكيف ؟ قال : لأنك جعلت الطلب منك إليّ ، ولو جعلته مني إليك لوجدتني » ؛ لأن الكلّ منه سبحانه وتعالى ؛ إذ لا وصول إليه إلا به .
قال سيدي أبو يزيد رضي اللّه عنه : تهت في بدايتي في ثلاثة أشياء : كنت أظنّ أني أحببته وطلبته وذكرته ، فرأيت ذكره لي سبق ذكري له ، وطلبه لي سبق طلبي له ، وحبّه لي سبق حبّي له ؛ فالكل به وبفضله .
واعلم أن أسبق هذه المراتب الثلاث التوبة : أعني الرجوع عن الذنب ، وهي ثلاثة أقسام : توبة العوامّ من الذنوب ، وتوبة الخواصّ من غفلة القلوب ، وتوبة خواصّ الخواصّ من كل ما سوى المحبوب .
فشتّان ما بين تائب من الزلات ، وتائب من الغفلات ، وتائب من رؤية الحسنات ، وتسمّى الأولى :
توبة ، وتسمّى الثانية : إنابة ، والثالثة : أوبة .
فمن تاب خوف العقوبة فهو صاحب توبة ، ومن تاب رجاء مثوبة فهو صاحب إنابة ، ومن تاب قياما بالعبودية لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة ، فالتوبة للمؤمنين .
قال تعالى :وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ النور : 31 ] ، فعمّ بلفظ الإيمان الطائعين والعاصين ، وسمّاهم مؤمنين ؛ لئلا تتمزّق أكباد الفريق الثاني من خوف القطيعة ، وأمر الجميع -