عشى هذا التلميذ عن ذكر الرحمن في شيخه ، فقيض اللّه تعالى شيطانا ، وهو صورة شيخه في بصيرته لا في حقيقة الشيخ في نفسه ، فهو له قرين يضله بتمكين ما في بصيرته من اعتقاد غير ما ذكرنا وهو يحسب أنه يهديه .
واعلم أن المشايخ الموصلين إلى اللّه تعالى المسكين للمريدين كثيرون ، ولكن المريدين قليلون فإن كل شيء من حيث إنه فعل من أفعال اللّه تعالى شيخ كامل مرشد إلى اللّه تعالى ، ولكن أين المريد الصادق في إرادته ؟ ! فإن المرشد إلى اللّه تعالى فعله تعالى لا غير ، والكل أفعاله ، فإن الإنسان وغيره سواء في ذلك .
ولهذا قال الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي قدس اللّه سره في كتاب ( روح القدس ) : ومن جملة أشياخنا الذين انتفعنا في طريق الآخرة من هذه الأمم ميزاب رأيته بمدينة فاس في حائط ينزل منه ماء السطح مثل ميزاب الكعبة ، فوقفت على عبادته ، وأجهدت نفسي عسى أجري معه في ذلك . ومنهم ظلي الممتد من شخصي أخذت منه عبادتين فقد أخذ نفسه بهما ، وأشباه ذلك .
وأما الحيوانات فلنا منهم ( شيوخ ) « 1 » ومن جملة شيوخنا الذين اعتمدت عليهم الفرس ، فإن عبادته عجيبة ، والبازي والهرة والكلب والفهد والنخلة وغير ذلك ، فما قدرت قط أن أتصف بعبادتهم على حد ما هم عليها فيها ، وغلبني أن أقدر على ذلك في وقت دون وقت ، وهم في كل لحظة مع اعتقادهم بسيادتي عليهم يوبخوني ويعيّبوني .
هامش
( 1 ) والمقصود بالشيخ هنا من تتحقق به الاستفادة ، وليس من شك في أن على الإنسان يعي حكمة اللّه في خلقه( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ )( فصلت : 53 ) . بل لقد جعل اللّه تعالى الطائر معلما لا بن آدم( فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ )( المائدة : 31 ) ، فانتبه لقوله تعالى ( ليريه ) فمن أنكر استفادة الإنسان من الحيوان بل من مخلوقات اللّه جميعا ، فقد أنكر لما في كتاب اللّه . وأما تسميته ب « شيخ » فهو اصطلاح جرى عليه بعض الصوفية بتسمية كل من يستفاد منه علم أو خلق أو أدب شيخا ، ولا مشاحة في الاصطلاح .