فنقول : صورته ؛ أي جعلته ذا صورة ، وأما صيغة تصور فقال في الكتاب المذكور :
« تفعّلت يأتي على ثلاثة أوجه ، بمعنى صار ذا كذا ، تقول : تسخوت وتمرأت ؛ أي صرت ذا سخاوة ومروءة ، ويأتي بمعنى تشبيه الشئ ، نحو : تدهقنت ؛ أي تشبهت بالدهاقين » « 1 » .
وقال الشاعر : « وقيس وغيلان ومن تقيسا » .
أي : ومن تشبه بهم ، ويأتي التفعل للمبالغة « 2 » وتكثير العمل ، كقولك : تفهمت وتأملت ، فالمعنى الأول يناسب هنا ، فمعنى تصوره العقل ؛ أي يجعله ذا صورة ، ولا يناسب المعنى الثاني ولا الثالث ، ثم قال في الكتاب المذكور : وبين التفعل والتفاعل فرق ، فإنك إذا قلت : تحالمت ، فمعناه أنك أظهرت الحلم ، ولست كذلك ، وإذا قلت :
تحلمت ، فمعناه أنك تكلفت أن تصير حليما ، وهذا المعنى الأخير يناسب هنا ، فمعنى تتصوره العقول ؛ أي تتكلف له الصورة ، وجميع هذه المعاني التي لصيغة صور تقتضى إثبات الصورة له سبحانه ، ولا يتجرد المعنى في الصيغتين عن الصورة أصلا ؛ لأن ذلك معنى الفعل المركب من الصاد والواو والراء .
فلا فرق في لزوم الصورة بين قولك : لا تصوره العقول ، وقولك : لا تتصوره العقول ، فإن فرّق فارق بالقصد وعدمه على معنى أن قوله : لا تصوره العقول ؛ أي لا تقصد تصويره العقول « 3 » ، أي لا تقصد ، ولكنها تتصوره بلا قصد منها لتصويره ،
هامش
( 1 ) تدهقن الرجل : صار دهقانا ، وكثر ماله ، الدهقان : رئيس المدينة أو رئيس الإقليم ، ومن له مال وعقار ، وجمعها : دهاقين . [ المعجم الوجيز ( 236 ) ، طبعة مجمع اللغة العربية ] .
( 2 ) صيغ المبالغة تصاغ من الفعل الثلاثي بقصد المبالغة ، وقد تؤخذ من الرباعي ، وهي : فعل ، مفعيل ، فعول ، مفعال ، فعّال . ولصيغة المبالغة معمولان هما الفاعل والمفعول به .
( 3 ) بين ابن عربى الحكمة من خلق الخلق ، فيفسر الحديث القدسي : « كنت كنزا مخفيّا لم أعرف ، فخلقت الخلق فيه عرفوني » بأن الحق تعالى شاء أن يظهر الخلق عامة والإنسان خاصة ليعرف ، وليرى نفسه في صورة تتجلى فيها صفاته وأسماؤه ، أو بعبارة أخرى شاء الحق أن يرى تعينات أسمائه في مرآة العالم أو الوجود الخارجي ، فظهر في الوجود ما ظهر وعلى النحو الذي عليه ، وكشف بذلك عن الكنز المخفى الذي هو الذات المطلقة المجردة عن العلاقات والنسب ، ولكنه لم يكشف عنها في إطلاقها وتجردها ، بل في تقييدها وتعيينها .
[ فصوص الحكم ( 48 ) ] .