الأمثال كما في الأعراض » « 1 » انتهى .
ولا يخفى أن كلامه هذا مناقض لكلامه الأول ؛ حيث جزم بأن الحق انتفاء الأجسام في كل آن ، ومشاهدة بقائها بتجدد الأمثال كالأعراض ، على أن قوله :
« لا بمعنى أن الحس يشاهدها باقية . . . » تحكّم منه بلا دليل على انتفاء ذلك ، وترجيح لمقتضى العقل على الدليل الشرعي الذي قدمناه في قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ
( سورة الروم : 25 ) .
وقوله تعالى :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
( القمر : 50 ) « 2 » .
فإذا ثبت هذا عند المؤمن ، وتحقق بأدلة الشرع والعقل ، ثبت أن كل ما سوى اللّه تعالى صور قائمة بالوجود الحق - سبحانه وتعالى - لا غير ، فاللّه - سبحانه وتعالى - إذا لم يكن هو الوجود لزم أن يكون صورة من هذه الصور القائمة بالوجود من المحسوسات أو المعقولات ، وهو ينافي إطلاقه تعالى وتنزهه عن مشابهة الحوادث ، ويقتضى مشاركته تعالى لكل ما عبد من دونه من صنم وكوكب وحجر وشجر ولسان ونحو ذلك .
ويقتضى أن يكون سبحانه وتعالى مخلوقا ؛ لأن جميع الصور المحسوسات والمعقولات للّه تعالى ، وكل ذلك مستحيل في حقه تعالى ، فتعين أن يكون المراد منه تعالى ما يراد من لفظ الوجود إذا أطلق بالنسبة إلى جميع الموجودات المحسوسة والمعقولة ، وقيل عنها إنها صارت به موجودة ، فلهذا أطلقنا عليه لفظ الوجود ، فإن الوجود الحادث الذي
هامش
( 1 ) مضى القرن الأول كله ولم يحاول إنسان قط أن يتحدث حديثا عابرا أو مستضيفا عن إثبات وجود اللّه تعالى ، ومضى أكثر القرن الثاني والمسألة فيما يتعلق بوجود اللّه لا توضع موضع البحث ؛ ذلك أن وجود اللّه إنما هو أمر بدهى لا ينبغي أن يتحدث فيه المؤمنون نفيا أو إثباتا ، ولا سلبا أو إيجابا ، إن وجود اللّه من القضايا المسلّمة التي لا توضع في الأوساط الدينية موضع البحث لأنها فطرية . [ الشيخ عبد الحليم محمود ، هامش لطائف المنن ( 53 ) ] .
( 2 ) وهو إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه ، كما أخبر بنفوذ قدره فيهم ، فقال :وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ؛ أي إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد بثانية ، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلا موجودا كلمح البصر ، لا يتأخر طرفة عين . [ تفسير ابن كثير ( 4 / 270 ) ] .