في تلك الساعة بالغرق في البحر وقرينة الحال من فرعون تعطي أنه ما كان على يقين من الانتقال بالموت والهلاك إلى الآخرة لأنه عاين ، أي رأى وشاهد المؤمنين من قوم موسى عليه السلام يمشون على الطريق اليبس ، أي اليابس الذي ظهر في أرض البحر بضرب موسى عليه السلام بعصاه البحر فلم يتيقن حينئذ فرعون بالهلاك إذا آمن بخلاف المحتضر بصيغة اسم المفعول ، أي الذي حضرته الوفاة وهو في النزع حتى لا يلحق ، أي فرعون به ، أي بالمحتضر ليأسه من الحياة ورجاء فرعون للحياة فآمن ، أي فرعون بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، كما حكاه تعالى عنه أن قال :
آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
[ يونس : 90 ] على التيقن بالنجاة من الهلاك بالغرق فكان الأمر كما تيقن فحصلت له النجاة لكن على غير الصورة التي أراد وهي النجاة من الهلاك بالغرق .
فنجاه اللّه تعالى من عذاب الآخرة في نفسه التي هي داخل بدنه بحصول الإيمان له وقبوله منه ، فإنه لا مانع من القبول لأنه الأصل حتى يوجد دليل قاطع يمنعه ونجّى اللّه تعالى أيضا بدنه كما قال تعالى :
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
[ يونس : 92 ] ، أي علامة لأنه لو غاب بصورته ربما قال قومه الباقون في مصر بلا غرق احتجب عن الناس بالصعود إلى السماء ونحوه فظهر ، أي فرعون بالصورة المعهودة له عندهم ميتا لا حياة فيه ليعلم بالبناء للمفعول أنه ، أي فرعون هو ، أي فرعون لا غيره فقد عمته النجاة ، أي السلامة حسا في بدنه ومعنى في نفسه بحصول الإيمان له .
* * * ومن حقّت عليه كلمة العذاب الأخراوي لا يؤمن ولو جاءته كلّ آية حتّى يروا العذاب الأليم ، أي يذوقوا العذاب الأخراوي .
فخرج فرعون من هذا الصّنف . هذا هو الظّاهر الّذي ورد به القرآن . ثمّ إنّا نقول بعد ذلك والأمر فيه إلى اللّه ، لما استقرّ في نفوس عامّة الخلق من شقائه ، وما لهم نصّ في ذلك يستندون إليه . وأمّا آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضعه .
ثمّ ليعلم أنّه لا يقبض اللّه أحدا إلّا وهو مؤمن أي مصدّق بما جاءت به الأخبار الإلهيّة : وأعني من المختضرين ولهذا يكره موت الفجأة وقتل الغفلة .
ومن حقت ، أي تحققت عليه كلمة العذاب الأخروي وهي كلمة الرب